مقالات

انتخابات المغتربين... بين "الإنجاز" و"الخيبة"!

العالم - مقالات

ولكن، في مقابل كلّ ذلك، فإنّ لا شكّ أيضاً أنّ نسبة المشاركة في هذه الانتخابات من قبل المغتربين الذين سبق أن سجّلوا أسماءهم وأعلنوا رغبتهم بممارسة حق الاقتراع، أتت مخيّبة للآمال، خصوصاً أنّ نسبة المغتربين المسجّلين كانت أصلاً متدنّية لاعتباراتٍ كثيرة، من بينها التشكيك بحصول الانتخابات من أصلها، وفي بلاد الانتشار على وجه الخصوص، فضلاً عن ضيق المهلة الزمنية التي أعطيت للتسجيل. فلماذا انخفضت النسبة المتدنّية أصلاً في الانتخابات في دول الانتشار؟ وهل يتكرّر الأمر في الداخل اللبناني الأحد المقبل؟.

ما السبب؟

إذا كان مجرّد تنظيم الانتخابات في الانتشار إنجازاً يُسجَّل للإدارة الانتخابية، وتحديداً لوزارة الخارجية، فإنّ نسبة المشاركة فيها لا يمكن أن تُعتبَر في المقابل إنجازاً بأيّ شكلٍ من الأشكال. وفي هذا السياق، لا يمكن القول إنّ وصول النسبة إلى الخمسين في المئة هو أمرٌ مقبولٌ، أو حتى تعدّيها عتبة السبعين في المئة في ما ندر، لأنّ النسبة كان يفترض أن تتخطى التسعين في المئة، بل أن تلامس المئة في المئة، لا لشيء، إلا لأنّها نسبة المغتربين الذين سجّلوا أسماءهم للمشاركة، وليس نسبة المغتربين بشكلٍ عام. بمعنى آخر، فإنّ النسبة موضع البحث هي نسبة المغتربين الذين سبق أن تكبّدوا عناء تسجيل أسمائهم وإرفاقها بالمستندات المطلوبة، ما يعني أنّهم من الذين لا يزالون يتابعون الشأن المحليّ، ولديهم الرغبة في المشاركة في القرار السياسيّ، بعد سنواتٍ طويلة من تهميش الدولة لهم.

إلا أنّ الكثير من هؤلاء أحجموا عن المشاركة في العملية الانتخابية عندما "دقّت ساعة الجدّ"، وفق ما أظهرت المعطيات، التي بدأت محاولات تفسيرها في الساعات الماضية. وفي هذا السياق، تحدّث كثيرون عن موانع "لوجستية" و"تنظيمية" أدّت إلى إحجام البعض، الذين اكتشفوا أن ​مراكز الاقتراع​ التي حُدّدت لهم تتطلب "رحلة" توازي مئات الكيلومترات في بعض الأحيان، ووجدوا أنّ الأمر لا يستحقّ كلّ هذا العناء، وهو أمرٌ ردّه المعنيّون في الخارجية إلى عدم إعطاء هؤلاء المغتربين أصلاً عناوين تفصيلية لمكان إقامتهم لتحديد مركز اقتراع قريبة منهم. ولم تبدُ الأحزاب السياسية "بريئة" من هذا العزوف، بالنظر إلى ضعف ماكيناتها الانتخابية في العديد من الدول، بحيث لم تتابع العملية كما يجب مع المغتربين المسجّلين على الأقلّ، لحثّهم وتحفيزهم على المشاركة بشكل أو بآخر.

لكن، أبعد من كلّ هذه العوامل "اللوجستية"، التي لا شكّ أنّها ليست "بيت القصيد"، هناك عاملٌ سياسيّ مهمّ تسبّب في انعدام الحماسة للمشاركة في الانتخابات حتى لدى من كانوا "متحمّسين" مسبقاً. ويكفي للدلالة على ذلك إدراك أنّ تسجيل الأسماء حصل قبل نضوج الصورة الانتخابية وبلورة التحالفات، وبالتالي قبل أن يبدأ اللبنانيون باستيعاب ال​قانون الانتخاب​ي وتعقيداته. من هنا، لا يبدو مبالَغاً به القول إنّ عزوف البعض عن المشاركة قد يكون في حدّ ذاته "تسجيل موقف"، في ضوء تركيبات التحالفات الهجينة التي نُسِجت في ربع الساعة الأخير، فضلاً عن أنّ "الورقة البيضاء" في ضوء القانون الجديد بات لها دورها في رفع الحاصل الانتخابيّ، بما يصبّ في صالح قوى السلطة التقليدية، صاحبة النفوذ الأكبر في كلّ دائرة على حدة، ويمنع منافسيها من بلوغ عتبته.

إلى 6 أيار دُر...

من هنا، وبدل أن يتلهّى مختلف الفرقاء بالصراع على "الإنجاز" وهوية صاحب "الفضل" في حصوله، منعاً للاستثمار والاستغلال الانتخابي، قد يكون الأولى بهم اليوم دراسة ما حصل وأخذ العِبَر، من أجل تحفيز لبنانيي الداخل على المشاركة بكثافة في الانتخابات، تفادياً لتكرار مشهد الإقبال الضعيف نفسه، رغم كلّ التعبئة الجماهيرية الحاصلة في العديد من المناطق.

وفي هذا السياق، يرى كثيرون أنّ القوى السياسية حوّلت قانون الانتخاب النسبيّ في الظاهر من "نعمة" إلى "نقمة"، إذا جاز التعبير، ما "أحبط" الكثير من الناس، المحازبين منهم قبل المستقلّين، وجعلهم يشعرون أنّ صوتهم لن يُحدِث فرقاً جوهرياً كما تخيّلوا للوهلة الأولى، بل إنّ ثمّة قناعة راسخة، ومدعّمة بالدراسات والإحصاءات، بأنّ خمسة وسبعين بالمئة من مقاعد البرلمان محسومة، إن لم يكن أكثر، والصراع ليس سوى على عدد محدود من المقاعد، قد تساهم "الكسور" في بتّ أمرها.

ولعلّ مردّ هذا الإحباط يرجع إلى مفهوم "النسبية" الذي يقوم أصلاً على التنافس بين الأحزاب السياسية على البرامج والمشاريع، بحيث تمثّل كلّ لائحة حزباً معيّناً، أو برنامجاً محدّداً وواضحاً يتّحد أعضاء اللائحة حوله، فيحصل في النهاية كلّ حزبٍ على نسبة التمثيل التي يعبّر عنها. أما وقد نسجت القوى السياسية تحالفات لا يصدّقها عقل، لدرجة باتت بعض اللوائح عبارة عن ائتلافات بين أقصى اليمين وأقصى اليسار، ممّن لن يجمعهم شيء بعد السادس من أيار، فقد وأدت مفهوم النسبية عن بكرة أبيه، فضلاً عن كونها جعلت من الصراع داخل اللائحة الواحدة عنواناً للمعركة.

ولا شكّ أنّ هذا الأمر بالتحديد أسهم في جعل الكثير من "المحازبين" قبل غيرهم يفكّرون مرّتين قبل ممارستهم حق الاقتراع، خصوصاً بعدما أدركوا أنّهم بتصويتهم لحزبهم، سيساهمون في رفع الحاصل الانتخابي، الذي قد يؤدي إلى فوز "خصمهم" على حسابهم، بعدما شاء "القدر" ربما أن يكون معهم على اللائحة نفسها. ويُضاف إلى ذلك، أنّ المجتمع المدني لم يقدّم بالنسبة للكثيرين "الإطار البديل" المطلوب والمرجوّ، أو على الأقلّ القادر على المنافسة بقوة، رغم كلّ المحاولات التي بُذِلت على هذا الصعيد، وأتى تشتّت لوائح المجتمع المدني، التي تخطّت في بعض الدوائر أصابع اليد الواحدة ليزيد الطين بلّة، ويؤكد وجود مشكلة في مقاربة العملية الانتخابية تحتاج إلى إعادة نظر.

حتى لا يتكرر المشهد

عندما أقرّ ​القانون الانتخابي​ّ، قيل إنّ الانتخابات المقبلة ستشهد أوسع مشاركة في تاريخ لبنان، على اعتبار أنّ فرصة التغيير باتت متاحة كما لم تكن من قبل. وعلى الرغم من أنّ هذا الاعتقاد لا يزال راسخاً بالنسبة لشريحة واسعة من الشعب، فإنّ آخرين باتوا مقتنعين بأنّه ليس أكثر من عملية احتيالية، كون القانون مفصّل على قياس الطبقة السياسية.

وإذا كانت قوى السلطة ستبذل كلّ ما تستطيع من اليوم وحتى الأحد منعاً لتكرار مشهد دول الانتشار في الداخل من حيث ضعف الاقبال، فإنّ الأكيد أنّ مرحلة ما بعد السادس من أيار ستعيد القانون الانتخابيّ إلى "المشرحة" بعدما تبيّن في الممارسة أنّه ليس الأمثل، بل قد يكون توصيف وزير الداخلية ​نهاد المشنوق​ له بـ"الخبيث واللئيم" الأكثر دقة في التعبير عنه!.

حسين عاصي / النشرة 

109-4

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا