الارشيف / مقالات

القرارات في جزيرة السلاحف

هناك تشابه كبير بين قرارات المسؤولين وما يجري في عالم السلاحف. منها مثلاً أن السلحفاة تتسرع في قبول تحدي الجري لكنها في الواقع لا تستطيع في أحسن الأحوال أن تقطع أكثر من نصف كيلومتر في الساعة. وهذا ما يفعله بعض المسؤولين المتحمسين حينما "يورطون" مرؤوسيهم في موعد تسليم غير واقعي من دون أدنى اعتبار لقلة الموارد المتاحة.

ومن المفارقات، أن بعض المسؤولين يظن أن عمره الوظيفي أو "المنصبي" طويل، فهو يتراخى في إنجازاته وينسى أنه يعيش في عصر باتت فيه سرعة الإنجاز لا تقل أهمية عن جودته. وهو ما يحدث مع السلاحف التي تعمر إلى نحو مائة عام وتعد أقدم الزواحف التي عاصرت الديناصورات، منافسة بذلك التماسيح والثعابين بأشكالها، فلا تجد نفسها مضطرة للإنجاز السريع، لأن لديها متسعاً كبيراً من الوقت. ولا غرابة حينما نرى تلك سلوكيات السلحفاتية فهي قادمة من عالم آخر يمتد إلى نحو 200 مليون عام.

وإصرار السلاحف على ممارسة "ثنائية" الأنشطة أو برمائيتها ربما يكمن وراءه ضعفها فلا هي سبقت الأرنب ولا نظيراتها من الزواحف. فهي وبعض المديرين ينسون أن تأدية أمرين في آن واحد يشتت الجهد والتركيز، وهو ما أظهرته دراسات عدة. فمعظم من بزغ نجمه ركز في مجال واحد. ولذا يقول المثل الكوري: إذا أردت بئراً فاحفر في مكان واحد.

أما المواجهات، فهي المحك في كشف حقيقة المخلوقات. فمثلما تدس النعامة وبعض القياديين رأسهم في التراب في أول اختبار مجابهة، كذلك تصنع السلحفاة في إخفاء رأسها بدرقتها الصلبة التي تحملها على ظهرها أينما ذهبت. وتجعل المحيطين بها يواجهون مصيرهم. وياله من شعور مثير للإحباط وخيبة الأمل حينما لا يتصدى القيادي للمشكلة فيخذل أتباعه ناهيك إذا تهرب من المسؤولية.

ومهما حاول بعض المسؤولين الضعفاء التغابي عن رؤية الخطأ أو ما يستحق التصدي المشرف، فهم بالحقيقة يقلدون قدوتهم السلحفاة التي تبدو بليدة الأحاسيس لكنها في الواقع تسمع جيداً بتجاويفها وإن لم تبدُ لها أذنان. وتلمس وتشم وترى بوضوح وبالألوان كما كشف العلماء. كل شخص حر في قراراته لكن إذا اختار أحد هذا التغابي فإنه يسهم في تفشي التملص من المسؤولية في جزيرته أو محيطه.

ولحسن الحظ فإن معظم تلك السلاحف البشرية مهددة بالانقراض مثل قدوتها الزاحفة، حيث ستحل محلها الأجيال الشابة التي نرجو أن تحمل روحاً أكبر في قبول التحدي والإنجاز بوتيرة أسرع من تلك الزواحف. ذلك أن مشكلة "المسؤول السلحفاتي" أنه يؤمن بالمقولة المرورية: "أن تصل متأخراً خير من ألا تصل أبداً". وهذا أحد مكامن المشكلة!

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا