مقالات

تعميم الثقافة الوطنية والقومية التحررية في مواجهة ثقافة الاسلاب الحضاري والتطرف الديني

عمل الاستعمار الغربي لسنوات طويلة على تجهيل الإنسان العربي, من خلال محاصرة الثقافة الوطنية ولم يحظ التعليم المدرسي خاصة منه التعليم العالي, إلا بقدر ما يوفر موظفين بيروقراطيين في الدوائر الحكومية التي تسيطر عليها دولة الاحتلال وقد ساهمت ايضا دوائر إعلامية رجعية عربية مرتبطة بحركة الاستشراق في عملية التجهيل بفتح المجال للثقافة الغربية في التغلغل في أوساط الشباب والمثقفين لعزل الفكر الوطني باعتبار ذلك جزءا من المشروع السياسي القائم على تحالف الاستعمار والرجعية العربية لإبقاء المنطقة العربية تئن تحت واقع التجزئة السياسية والتخلف الحضاري لذلك فإن عملية بناء الانسان العربي في هذه المرحلة مهمة ضرورية تستدعي القيام بها بدون ابطاء لانها تأتي في ظل انتعاش ثقافتين اولهما :الثقافة الغربية البرجوازية التي سادت في مجتمعاتنا العربية والإسلامية في ظل المرحلة الاستعمارية التي أوصلت هذه المجتمعات إلى مرحلة التخلف وهي مرحلة سبقتها مرحلة الانحطاط بكل أشكاله التي نجمت عن عهود الهيمنة العثمانية للعالم العربي وهذه الثقافة الغربية ما زالت قادره على الصمود رغم أفول وانحسار ظاهرة الاستعمار بسبب انتصار حركات الاستقلال والثورات الوطنية التحررية التي أنجزت هدفها بتحقيق الاستقلال الوطني...،الثقافة الغربية الوافدة مع حركة الاستعمار الأوروبي الغربي والتي تعبر عن الخصائص القومية والدينية للمجتمعات الغربية ما زال بريقها الحضاري تتأثر به النخب السياسية والثقافية في مجالات الأدب والفكر والفن رغم انتشار مفاهيم الثقافة الوطنية وهذا الصمود للثقافة الغربية يعود بالدرجة الأولى إلى تطور في شكل الحضارة الغربية ذاتها بحيث أصبحت بفضل الثورة التكنولوجية حضارة لها طابعها الاستهلاكي التي تجد منتجاتها التي غزت الاسواق العالمية إقبالا و رواجا خاصة في البلدان المتخلفة غير الصناعية.

 أما الثقافة الثانية التي انتعشت في هذه المرحلة بسبب توفر حاضنة طائفية لها فهي الثقافة السلفية المتطرفة التي كانت وراء ظهور التنظيمات والجماعات الإسلامية الجهادية التي توصف بالتكفيرية قياسا باحزاب الإسلام السياسي التي تعرف وتتميز عن غيرها بالاعتدال ..وكلتا الثقافتين الغربية البرجوازية ذات الطابع الاستهلاكي والسلفية المتطرفة التي تعتمد على نصوص دينية مشكوك في مصدرها وصحتها هما ثقافتان تتعارضان في نهجهما مع الإطار العام للحضارة العربية الإسلامية وهو إطار ديني و سياسي واجتماعي وثقافي زاخر بالتعددية الدينية والطائفية والعرقية وتسود فيه مبادىء التعايش وقيم التسامح والاعتدال ويخلو من اتجاهات التطرف والهيمنة على الآخر ..لذا فإن عملية بناء الإنسان العربي في هذه المرحلة التي تشهد صراعات سياسية وطائفية طاحنة في بعض أرجاء المنطقة يجب أن يكون هذا البناء وفق أصول الثقافة القومية العربية التحررية وكذلك وفق تعاليم الإسلام الحنيف ..ثقافة بعيدة في مفاهيمها عن الخطاب الثقافي الغربي البرجوازي الاستعماري الذي يسوده طابع الاستلاب الحضاري الذي يعمل على تشويه الشخصية القومية وبعيدة أيضا عن الخطاب السلفي المتطرف التكفيري وكل من الخطابين تسود علاقة التناقض بينهما وانتعاشهما على حساب الثقافة الوطنية والقومية والتقدمية واليسارية بشكل عام وكذلك ايضا على حساب الفكر الأسلامي المستنير الذي يتعاطى مع الديمقراطية والحداثة.

انتعاش ثقافة الاستلاب وثقافة التكفير هو الذي يجعل من الحالة العربية الحالية في وضع متفجر بائس يستقطب الصراع فيها بسبب الإرهاب المتنامي قوى إقليمية ودولية عديدة لكل واحدة منها مصالحها الحيوية التي تعمل بكل الوسائل على المحافظة عليها رغم كون هذه المصالح متعارضة مع ماتتطلع آليه شعوب المنطقة من حل للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية المعيشية الطاحنة التي تعاني منها فئات اجتماعية كثيرة والتي لا يمكن التخلص منها ما دامت علاقات التبعية بكل أشكالها قائمة وتتعمق أكثر في ظل الثورة التكنولوجية مع النظام الرأسمالي العالمي .

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا