مقالات

القوة «الحادة والناعمة»

  • 1/2
  • 2/2

جدل مثير تشهده الأوساط الفكرية الأميركية هذه الأيام بخصوص ما اعتدنا أن نطلق عليه «القوة الناعمة» في مقابل مصطلح جديد هو «القوة الحادة».

ففي ديسمبر الماضي، كتب الباحثان كريستوفر واكر وجيسيكا لادويج في المجلة الصادرة عن المؤسسة العامة للديمقراطية يقدمان لما اتفقا على أن يطلقا عليه اسم «القوة الحادة»، مقابل مفهوم «القوة الناعمة» الذي كان جوزيف ناي قد صكه في كتابه الصادر بالاسم نفسه في تسعينيات القرن العشرين.

ويبدو أن داع واكر ولادويج لإجراء الدراسة هو رأيهما في الدور الدولي المتنامي لكل من روسيا والصين ثقافياً وإعلامياً، على غرار الدور الذي ظلت الولايات المتحدة تلعبه لعقود طويلة.

فالباحثان يستهلان الدراسة بالإشارة إلى أن الدولتين أنفقتا المليارات في العقد الأخير «لإعادة تشكيل الرأي العام حول العالم» عبر استخدام وسائل متعددة تضمنت «أنشطة ثقافية وبرامج تعليمية وإنشاء مشروعات إعلامية ومبادرات معلوماتية ذات طابع عالمي».

ولأن مثل تلك الأنشطة كلها هي ما أشار له جوزيف ناي عندما صك مصطلح «القوة الناعمة»، فقد سعي الباحثان للتأكيد على أن ما تفعله روسيا والصين لا يندرج تحت ذلك المسمى وإنما يمكن تسميته «بالقوة الحادة».

فالقوة الناعمة، كما قدمها جوزيف ناي بنفسه، كان يقصد بها تمييزها عن «القوة الصلبة»، أي القائمة على القهر في العلاقات الدولية، سواء من خلال القوة العسكرية أو حتى الاقتصادية.

والقوة الناعمة عنده كانت هي النفوذ الدولي المبني على «القدرة على الإقناع والجذب»، مثل النفوذ الثقافي، أي القدرة على النفاذ «للعقول والقلوب»، كما يحلو للأميركيين القول.

فهي قوة الفكر والثقافة والنموذج. لكن واكر ولادويج يقولان إن ممارسات روسيا والصين، لا تقوم علي الإقناع والجذب وإنما على «التلاعب والإلهاء». لذلك أطلقا على استخدامها للأدوات الثقافية والإعلامية نفسها «القوة الحادة» لأنها «تخترق وتثقب وتخز»، على حد تعبيرهما.

وهما يصفان آلياتها بأنها مثل «سن الرمح» أو حتى إبرة الحقن، لأنها تقطع مثل السكين «النسيج الاجتماعي وتسعى لتكريس الانقسامات الموجودة في المجتمعات».

ويرى الباحثان أن تلك القوة الحادة تمثل تهديداً للديمقراطيات الراسخة وبدرجة أكبر للديمقراطيات الناشئة، ويعتبران محاولات روسيا التأثير على مجريات انتخابات الرئاسة الأميركية الأخيرة واحدة من أهم استخدامات «القوة الحادة» التي تقوم على التلاعب بالمعلومات وتزييفها.

لكن هناك أمرين لافتين في رؤية الباحثين.

أولهما أن التزييف المعلوماتي أو حتى التلاعب بالمعلومات أمر ليس جديداً بالمرة إذ طالما استخدمته الدول المختلفة في أوقات الحروب.

أما وأنه قد صار يستخدم دون إعلان الحرب فعلياً، فإنه لا يعني بالضرورة أنه يحتاج لمسمى جديد وإنما ما يحتاج لإعادة تعريف هو طبيعة الحروب.

أما الأمر الثاني اللافت للانتباه فهو ما تبين من أن تمييزهما الأساسي بين القوة الناعمة والقوة الحادة يقوم على طبيعة النظام السياسي وما إذا كان ديمقراطياً أو سلطوياً.

فهما يران أنه رغم استخدام روسيا والصين لأساليب طالما استخدمتها الولايات المتحدة، من التبادل التعليمي والثقافي لإنشاء مؤسسات إعلامية موجهة، إلا أن ممارسات روسيا والصين ذات طابع «شرير».

فيقولان إن «القوة الحادة مصطلح يكشف الطابع العدواني الخبيث للمشروعات السلطوية التي لا شبه بينها وبين الطبيعة الحميدة للقوة الناعمة» التي تمارسها الدول الديمقراطية.

ومثل ذلك التمييز القائم على تعريفات قيمية لا يسهم في بناء المعرفة. فالاجتهاد في العلوم الإنسانية يقوم على السعي لفهم الظواهر فهماً موضوعياً بقدر الإمكان. أما إصدار الأحكام على الظواهر بمنطق «الخير والشر» فله مجالاته الأخرى.

ولعل هذا تحديداً هو الذي دفع جوزيف ناي، صاحب مفهوم «القوة الناعمة» لأن يقدم مداخلة على صفحات مجلة «فورين أفيرز» أظنها بالغة الأهمية. وكان من أهم ما قاله جوزيف ناي في مقاله القصير هو أن «القوة الناعمة ليست حميدة ولا شريرة في ذاتها.

فتطويع العقول ليس بالضرورة أفضل من لي الأذرع»، مؤكداً أن بالإمكان تطويع العقول لخدمة أفكار خبيثة، ومع ذلك يظل ذلك التطويع يندرج تحت «القوة الناعمة» طالما يقوم على الإقناع لا القهر.

غير أن الأهم هو أن ناي اعتبر ما أسماه الباحثان «القوة الحادة»، أي تزييف المعلومات لخدمة أهداف عدائية، يندرج تحت مفهوم «القوة الصلبة»، مشيراً إلى أن الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة استخدما السعي للتأثير على الرأي العام والتدخل بالانتخابات إبان الحرب الباردة. وهو قال مثلاً إن تدخل الولايات المتحدة في الانتخابات الإيطالية عام 1948 وتمويلها السري للأحزاب المناهضة للشيوعية كان أحد أشكال القوة الصلبة الأميركية، لا القوة الناعمة.

والحقيقة أن رد فعل جوزيف ناي كان في محله تماماً.

فالتدخل الأميركي في المجتمعات الأخرى له تاريخ طويل ومعروف، بما في ذلك التدخل في الانتخابات، من جواتيمالا وتشيلي إلي إندونيسيا والفلبين، ومع ذلك، لم يعتبره أحد أبداً من قبيل القوة الناعمة.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا