الارشيف / مقالات

دكتوراه بين العلم والرفاه

أصَرَّتْ أخت صديقتي على دراسة الأدب الإنجليزي بين يدي أستاذ الأدب المميز البروفسور الإنجليزي «تيري فرانسيس إيجلتون» حيثما يُدَرس في جامعة «لانكستر» البريطانية، هذا الناقد المميز والمفكر البارز يصر طلاب الأدب وعشاقه من جميع أنحاء العالم التتلمذ على يديه، يلحقون به أينما ذهب، ومنذ انتقاله من جامعة أوكسفورد إلى جامعة مانشستر إلى محاضراته المتنقلة في أشهر جامعات العالم، خاصة بعد سطوع نظريته الأدبية الأبرز (مقدمة 1983) وهي أشهر مؤلفاته وأغزرها، والتي باعت أكثر من 750 ألف نسخة، وبالطبع لن أناقش نظرياته العميقة هنا، وفي هذه المساحة المحدودة، لكن ما يستوقفني هو حال حملة الدكتوراه لدينا والأكاديميين، فبكثرتهم فإن (أغلبهم) وأضع أغلبهم بين قوسين، يتوقفون عن إصدار عناوين جديدة أو جيدة من مؤلفاتٍ وكتب ما إن يحصلوا على لقب دكتور ويجلسوا على ذلك المقعد الجامعي أو المهني المصاحب لحرف الدال الرنان اجتماعياً أمامه، ليُشعره الدال بالاكتمال، ويتوقف عن التفكير والتأليف لمجرد أنه أخذ مركزه الاجتماعي الشكلي الأنيق رغم أن لقب «دكتور» هو بداية الحياة العلمية.

هذه النماذج لا تجعل من أهداف طلابنا الدخول إلى الجامعة من أجل أستاذ غزير في علمه وجاد في عطائه، فلم يعد يعنيهم أن يتخرجوا متفردين في استنارتهم، وبالتالي لا يعنيهم أن يكون بين يدي بروفيسور محترف للدراسة معه، فالواقع أن الحصول على الشهادة لأغلب طلابنا هو أقصى طموحاتهم، ليبدأوا مشوارهم الوظيفي، مقابل أننا ما زلنا نتذكر سيرة الآباء قديمًا حين كانوا طلاب علم يصرون على السفر الشاق والاغتراب، من أجل أن يكونوا بين يدي المتخصص الفلاني بعلمه وهو في مدينته أو جامعته أو حيثما يكون، ليتثقفوا أو يتفقهوا أو يتأدبوا في حضرته، فالطالب المعرفي يفطن لإنتاجه الذاتي ويتفرس لامتحان نفسه منذ دخوله الجامعة.

نعود للبروفسور المميز تيري الملهم، الذي يبلغ من العمر الآن 75 عامًا وعلى الرغم من عدم توقفه عن التأليف منذ عام 1966 إلى 2017 أي بمعدل كتاب سنويًا، وتأليفه أكثر من 40 كتاباً، فما زال جمهوره في جميع أنحاء العالم يتلهف لإصداراته الفكرية ذات العناوين البازغة نقدًا وفكرًا، مثل التضحية بالنفس، ومصير الوعظ، وأساطير السلطة، وكيفية قراءة قصيدة، ومشكلة مع الغرباء، وهي دراسة للأخلاقيات، وأهمية النظرية، وفكرة الثقافة، ووظيفة النقد، والنقد والأيديولوجيا... وكُتب كثيرة ومثيرة للجدل والتقصي حولها والتأمل فيها أو تدبر ماهيتها، وبالتالي البحث حولها، ليقرر هذا السبعيني التقليل من الاسترخاء، وتقليص الراحة، وبذل المزيد من العمل والجهد، لنشر نظريات جديدة ومؤلفات مشرقة.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا