الارشيف / مقالات

غزة تصر على تذكيرنا.. العادي رفاهية محرمة

تزيح ستارة مموجة عن نافذتها, تفجعها السماء, لا خيوط شمس تغازل وجهها ككل صباح.

حتى الشمس خاصمتها, أباح الشتاء اغتصابها بمطره ورياحه,أصبحت كمدينتها التي تسقِفها, جافة, بدون شمس تدللها, أغلقت نافذتها , وتسمرت أمام مرآتها ,تفحصت ملامح وجهها, بدا جامداً, لا كحل أسود يبرز لون عيناها , ولا احمر شفاه يضفي لون حياة على وجهها, قهقهت ما هذا كل ما يصادفني يثريني بالرتابة, وجهي مقدورا عليه, لكن شحوب مدينتي لا.

لونت عيناها ,حتى أنفها لم يسلم من فرشاتها وطالته رتوش حمراء!.

تطايرت خصلات شعرها متمردة على إهمالها , لاح الاستشوار أمامها وهيئت نفسها حتى تصالحها, صعقتها الكهرباء المقطوعة , وكتبت بأحمر الشفاه على جبينها :" هي غزة تصر على تذكيرنا, بأن العادي فيها رفاهية محرمة!

ماذا لو كفرت أكثر, وعبرت عن رغبتها في السفر بعيداً عنها؟ , لا تفكروا كثيراً باب المعبر موصداً , وحتى لو وصلت إلى مرحلة النزاع ستموت و لن يفتح, ككل المرضى فيها!

كان ذلك طيف من أمنياتها, قد يصفها البعض نسبة إلى حصار غزة بأنها غير شرعية , لذلك استثنتها , لكن ماذا لو اشتهيت قطعة جاتوه تصنعها في البيت؟

لا لا, إنه كفر أكبر من سابقه, خاصة وان أنبوبة الغاز اجتاز ثمنها الستين شيكلاً!

قالت:" ساهاتف محل الجاتوه وأطلب واحدة تسد شهوتي.

لا , كيف ذلك لقد أوقفت فاتورتها بعد ضجة الضريبة المضافة التي وضعوها على أصحاب الفواتير.

همس صوت شعرت به كأنه يرتجف من البرد, النوم في هذه المدينة أفضل , يحمينا من الكفر أكثر.

لكن ماذا لو تجردت في منامها من كفرها , وتحققت كل رفاهيتها؟

هيهات..

كل الصباحات في غزة أصابها شيئاَ من العفن ، والخوف من أن يتسرب حتى يكلل ردائها كله .

غزة مدينة المرضى والفقراء .

غزة بحصارها أصبحت لعنة علينا جميعاً لأنها لا تمسح دموعنا , كل متنفس تستجديه فيها, يوصمك بوصم الكفر لأنه تعدى الحاجة إلى عتبة الرفاهية.

الكل يخنقها , ويريد منا أن نقدم الشكر على بحبوحة عيش لا تتعدى حروف الكلمة.

أغلقت كل باب يصلها بواقعها, وأمسكت هاتفها ,تسترق النظر إلى عالمها الافتراضي, عله يكون متنفساً أجمل حتى لو اصطناعاً.

لاحت أمامها تدوينات تحمل التعازي بمصرع سبعة مواطنين, بانفجار اسطوانة غاز.

غزة مرة أخرى, ما بكِ ؟ مصرة على ملاحقتنا برداء رائحته تزخر بالموت , والشح , والفقر, والمرض.

أين نهرب من سموم هواءك؟

توقفت عند تدوينة أخرى..

ياه, ما زالت تستصرخ ولا احد يرد رغم أن حالتها يجب أن تصعب علينا نحن الكفار الذين نتخطى بطلباتنا عتبة شرعيتها.

الحال واحد والميت لا يستطيع إنقاذ ميتاَ مثله.

قبل أن تغلق الصفحة على عالمها الافتراضي , وتهجع إلى فراشها البارد, ردت على تدوينة احد موظفي وكالة غوث وتشغيل اللاجئين, الذي يتخوف من أن يتساوى بموظفي الحكومة في غزة , حيث يشم جزءاً من الراتب فقط.

فش حد أحسن من حد, كلنا في غزة كأسنان المشط !

ونامت وهي تتمتم :" وينك يا ريس , ووين بحبوحتك؟؟!!

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا