مقالات

الحوار ما بعد الأخير مع الشيخ زايد

في مخيلة كل منا رجل.

الرجل المثال. الرجل النموذج. الرجل القدوة.

رجل من معدن الرجالات الحقيقيين، مصوغ من ذهب الرجولة، رجل من الرجالات الذين تمثلت فيهم صفة الرجولة في أتمّ معانيها في كل موقف، رجل من أولئك الذين يبقى التاريخ منتظراً إياهم بأناة وصبر الجمل في محطات الزمن كي يصنعوه، كي يصوغوه، كي يكتبوه. وقد يسعف الحظ التاريخ، وقد يطول انتظار التاريخ دون أمل.

في مخيلة كل منا رجل ودّ لو قابله وجالسه وتحدث إليه ونهل من ينابيع خبرته، رجل ودّ لو سمع منه، لو استشاره، لو استنصحه، لو استبداه رأياً فيما آلت إليه الأمور، لو استعطاه درة من درر حكمته، لو سأله عما أشكل من أحداث وأزمات في ذلك الوقت، وعما يُشكِل من أحداث وأزمات في حاضر الأزمان.

فماذا لو كان ذلك الرجل صاحب رؤية؟ ماذا لو كان ذلك الرجل صانع دولة؟

ماذا لو كان ذلك الرجل من أثرى العرب قاطبة أرصدة في حسابات الحكمة وحسابات الإنسانية وحسابات الدبلوماسية وحسابات الحفاظ على القيم الأصيلة؟

ماذا لو كان هذا الرجل قد وصلت أياديه الخضراء إلى أقصى المعمورة بالنخل، وإلى أقصى المعمورة بالعمران، وإلى شتى بقاع الأرض بمشاريع الخير والنماء لأخيه الإنسان كائناً من كان، عربياً وغير عربي، مسلماً وغير مسلم؟

وماذا كان ذلك الرجل ليقول لو أتيح له أن يرى صنيع يديه بعد سنوات على رحيله، فما عساه يقول؟

في حياة كل منا رجل.

في حياتي أنا ذلك الرجل.

من يديه استلمت شهادة البكالوريوس عند تخرجي في جامعة الإمارات.

كنت دائماً أراه هبة السماء لهذه الأرض، الهدية الاستثناء والعطاء الباذخ في مسيرة بلادنا.

خطر لي أن أحاور الشيخ الجليل، حكيم العرب، أن ألقي عليه أسئلتي، أن أصغي إلى إجاباته، أن أستمطر غيوم حكمته، وأن أستنزل مطر شمائله.

أغمضت عيني كي أراه. ثم قلت: سيدي، أيها الشيخ الجليل. هات من كنوز حكمتك وذخائر معرفتك.

قلت له: يا سيدي زايد، كيف ترانا بعدك؟

قال ما شاء الله، أرى دولة الإمارات من إنجاز إلى إنجاز، ومن نجاح لنجاح، ومن قمة إلى قمة.

أصبح الاتحاد مثالاً لالتئام الشمل واجتماع الكلمة، أصبح الاتحاد اليوم نموذجاً لنجاح القادة في استشراف المستقبل، مثالاً للدولة التي لا يقف أمام طموحها عائق ولا تردها عن أحلامها عراقيل، أصبح الاتحاد مثال الدولة الحديثة العصرية في أبهى تجلياتها.

أنظر فأرى شعباً يلتف حول قادته التفاف الشهب بالبدر والجند بالعلم. وأرى قادة شُغلهم الشاغل سعادة شعبهم.

أعادت لي هذه العبارات أصداء كلمات صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله: «السعادة قيمة إنسانية تعمل الإمارات على ترسيخها أسلوب حياة».

يتابع حكيم العرب:

أنظر فأرى الإنسان الإماراتي يذود عن بلاده بالدم والروح، مسلحاً بقيم الإباء والوفاء والإيثار الخالدة التي ظلت ركناً أساسياً في صرح أمجاد هذه الأمة منذ انبعاثتها قبل خمسة عشر قرناً.

تصادفت كلمات الأب المؤسس مع كلمات صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة: «أبناء الإمارات ضربوا أروع الأمثلة في التضحية والبذل والعطاء».

ما الذي حظي بالنصيب الأوفر من إعجابكم سيدي من توجهات قيادتنا الرشيدة؟

أعجبني أن لدى قيادة الإمارات اليوم هذا الإدراك الواعي لضرورة مجاراة إيقاع التطورات العلمية والتقنية، ضرورة ركوب قطار المستقبل في العربات الأولى، وضرورة دفع ثمن تذكرة هذا القطار: اعتناق التغيير، والابتكار والإبداع، والرهان على طاقات الشباب، والإدارة الرشيدة، والتخطيط المسبق، وامتلاك أدوات العصر، والسعادة، والتسامح، والانفتاح، والتنافسية.

أعجبني قرار الانتماء إلى المستقبل، وراقني كثيراً شغفكم بالمستقبل، والانخراط الجادّ في ورشة صناعة المستقبل، في صناعة الأيام القادمة بمسرّعات المستقبل، والاستفادة إلى أقصى حد من التقدم العلمي، وتسخير طاقات التكنولوجيا الهائلة لتسريع التقدم وخوض معركة التقدم بمثابرة وإخلاص.

سيدي زايد، هب لي من كنوز حكمتك، أيهما نلزم: القوة أم الحق، وفي جانب من نقف، القوي أم صاحب الحق؟ وكيف ترى أداء الدولة في هذا الجانب؟

جواب، قلت من قبل: «الحق والقوة جناحا طائر واحد، فلا القوة وحدها يكتب لها الحياة، ولا الحق وحده دون القوة يكتب له البقاء. دولة الإمارات تسعى إلى السلام، وتحترم حق الجوار، وترعى الصديق. إننا نهدف إلى الدفاع عن أنفسنا، فلم يكن العدوان يوماً من طبيعة الإنسان على أرض الإمارات، خاصةً وأننا محاطون بأشقاء تجري في عروقهم نفس الدماء، ويحلمون نفس الآمال، ويواجهون نفس التحديات».

عرفنا عنك يا سيدي اهتمامك الشديد بالتعليم، فما سرّ هذا الاهتمام؟

كذلك قلت من قبل: «نشر التعليم واجب قومي، والدولة وفّرت كل الإمكانيات من أجل بناء جيل الغد، وهذا الأمر يضع العلم في أعز مكانة وأرفع قدر، وإن الثروة ليست في الإمكانات المادية وحدها، وإنما الثروة الحقيقية للأمة هي في رجالها، وإن الرجال هم الذين يصنعون مستقبل أمتهم».

نحتفي بإرثكم هذا العام 2018، ونتدارس مواقفكم على امتداده، ونستخلص العبر والدروس من سيرتكم الفياضة بدروس الحكمة طوال هذه السنة، فبماذا توصينا سيدي؟

«على كل المسؤولين اكتشاف الطاقات الخلاقة عند الشباب وتوجيهه بما يفيده ويفيد المجتمع». و«اعلموا يا أبنائي أن وطنكم أمانة في أعناقكم، فصونوا هذه الأمانة، وذودوا عن حياضه وشرفه، واعملوا على عزته ورفعة شأنه».

تركت فيكم قادة قادرين على الاستماع إلى نبض الإنسان الإماراتي، قادة ساهرين على آمال المواطن وطموحاته وأحلامه، قادة حريصين على استقطاب الطاقات، واستثمار التغيرات، واتخاذ القرارات الخطيرة في أعقد لحظات التاريخ.

لقد أصبحت تجربتنا الاتحادية مضرب المثل في جمع الكلمة وصواب الرؤية وسداد الاتجاه، وتجربة دولة الإمارات العربية المتحدة وسير قادتها منذ قرابة خمسين عاماً جديرة بالاحتفاء.

حافظوا على مكانكم في الصفوف المتقدمة، كونوا أهلاً لتجربة الاتحاد الخالدة، افتحوا أعينكم على معطيات العصر واكتشافاته، على اختراعاته وابتكاراته.

عندما فتحت عيني امتثالاً لأمر المعلم الحكيم، رأيت طيف حكيم العرب يبتعد مودعاً مبتسماً تلك الابتسامة التي قال فيها سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان وزير الخارجية والتعاون الدولي: «كلما أتذكر ابتسامة الوالد أفرح».

وأنا فرحت.

 

رئيس جامعة حمدان بن محمد الذكية

 

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا