مقالات

استراتيجية ترامب للأمن القومي

أعلن الرئيس دونالد ترامب استراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة في 18 ديسمبر المنصرم. وقد درجت العادة للإدارات المتعاقبة نشر استراتيجية الأمن القومي لتحديد الأهداف والاعتبارات الاستراتيجية للولايات المتحدة. وتنشر هذه الوثيقة من فترة إلى أخرى حسب مقتضيات ومتطلبات كل مرحلة لمواجهة التحديات المتعددة التي تواجه الدولة من وجهة نظر الإدارة حينها.

ويرجع تاريخ نشر وثيقة الاستراتيجية القومية إلى الإصلاحات التي شرعت في عصر الرئيس رونالد ريغان لإعادة تنظيم وزارة الدفاع. وكان الغرض من تقديم الرئيس الأميركي لوثيقة استراتيجية الأمن القومي للكونغرس الأميركي هو خلق إجماع حول قضايا الأمن القومي وإقناع المجلس التشريعي بأولويات الأمن القومي وتخصيص المتطلبات المالية لمواجهة التحديات الأمنية والدفاعية للولايات المتحدة.

وقد استهل الرئيس ترامب إعلان الوثيقة الاستراتيجية بالقول إن الواجب الأول لحكومة الولايات المتحدة هو لشعب ومواطني الدولة. وان مسؤولية الولايات المتحدة المناطة بالرئيس هي خدمة المصالح والحفاظ على امن الشعب الأميركي، والدفاع عن القيم الأميركية.

وهنا إشارة غير خفية إلى أن واشنطن في استراتيجيتها الجديدة سترى العالم من واقع مصالحها لا من واقع أنها القوة العظمى والتي ستضطلع بدور قيادي لتحقيق الأمن والسلم الدوليين. فترامب شديد الاعتقاد أن الولايات المتحدة أضاعت كثيراً من طاقتها ومواردها في الاهتمام بالعالم. ولقد آن الأوان لإصلاح البيت الأميركي أولا للتحقيق والمحافظة على التفوق الأميركي العالمي.

وتعلن الوثيقة الاستراتيجية، كما جاء في صفحة البيت الأبيض، أن تحقيق الأهداف الاستراتيجية الأميركية تتطلب أربع ركائز أساسية لا تختلف في الواقع عن كثير من الإدارات السابقة، بل من كثير من أهداف الأمن القومي للدول. فالاستراتيجية تدعو إلى حماية الشعب الأميركي ومصالحه وأمنه ورخائه. كما يدعو إلى السلام عن طريق تحقيق القوة وتوسيع النفوذ الأميركي في العالم.

وترى الوثيقة أن هناك ارتباطاً وثيقاً بين الأمن القومي الأميركي والرخاء الاقتصادي. وهي فكرة طالما يرددها ترامب أثناء وبعد حملته الانتخابية. وتشير الوثيقة إلى أن تنشيط الاقتصاد الأميركي لصالح الشركات الأميركية والتي تراها الوثيقة مهمة لتعزير المقدرات القومية الأميركية.

بل إن المنافسة الجيواستراتيجية تفرض على الولايات المتحدة أن تستثمر في الإبداع التكنولوجي، وفي إشارة غير خفية للصين، وحماية الأمن القومي بحماية الممتلكات الفكرية للولايات المتحدة من كل من يحاول سرقة هذه المنتجات الوطنية. وتؤكد الوثيقة أن الولايات المتحدة لن تتسامح من الآن وصاعداً بالتلاعب التجاري وأنها ستتبع سياسات تجارية منصفة وتبادل منفعة صحيحة مع الشركاء التجاريين.

وترى الوثيقة الاستراتيجية أن الولايات المتحدة تواجه عدة تحديات تمس بأمنها الوطني. فحماية الأمن الوطني للولايات المتحدة تتطلب حماية حدود الوطن من المهاجرين الغير-شرعيين واستعادة السيادة على الأراضي الأميركية.

وترى الوثيقة أن الجهاديين الإرهابيين يشكلون التهديد الأكبر للولايات المتحدة. كما أن العصابات الإجرامية العابرة للحدود تشكل تهديداً للنسيج الاجتماعي بسبب تفشي المخدرات والعنف. إضافة إلى ما تشكله هذه التنظيمات من تهديد لحلفاء واشنطن وتهديد لمؤسساتهم الديمقراطية.

وهذه إشارة إلى استفحال التنظيمات الإجرامية في أميركا اللاتينية بحيث أصبحت تشكل قوة مناوئة داخل الدول. وبشكل صريح، تشير الوثيقة إلى روسيا والصين كقوتين منافستين مغايرتين للنظام الدولي، بمعنى أنهما تسعيان إلى تغيير قواعد النظام الدولي. وانهما تستخدمان الوسائل التكنولوجية والدعاية السياسية والقوة الغاشمة في تشكيل نظام مناهض للمصالح والقيم الأميركية.

وقد تدشن هذه الرؤية الاستراتيجية حرباً باردة بين موسكو وبيكين من ناحية وواشنطن من ناحية أخرى، إذا ما رام تطبيق هذه السياسات. وتوسع الوثيقة دائرة التحديات التي تواجه الولايات المتحدة لتشمل القوى الإقليمية التي يقودها حكام ديكتاتوريون.

وتقوم هذه الأنظمة بدعم الإرهاب وتهديد جوارها الإقليمي والسعي للحصول على أسلحة دمار شامل. وقد يرى المتابعون تشابهاً بين استراتيجية بوش الابن وهذه الاستراتيجية التي تتبناها إدارة ترامب. ولعل الكثير يتساءل هل ستتبع هذه الإدارة سياسات تغيير الأنظمة المعادية للولايات المتحدة كما فعلت إدارة بوش؟. وتجهر الوثيقة بسعي الولايات المتحدة لتعزيز قدراتها الذاتية لتحقيق السلم.

وان هذه القدرات لا تشمل القوة العسكرية فحسب، بل الأدوات الدبلوماسية والاقتصادية والإعلامية كوسائل للوصول إلى المصالح الأميركية. إضافة إلى ذلك فان الحلفاء يعتبرون معززين للقوة الأميركية وتحث الوثيقة على ضرورة مساهمة هؤلاء الحلفاء وتحمل مسؤولية تجاه كافة التهديدات والتحديات المشتركة.

وهنا نقطة مهمة تتعلق بالاستراتيجية والتي تتبنى سياسة أحادية بإعلانها أن الولايات المتحدة تأتي أولاً وتتوقع من الحلفاء مساهمة في هذه السياسة دون أن تشير إلى مقاربة متعددة الأطراف. بل أنها تصر على تمكين الولايات المتحدة لتفوقها في المناطق الاستراتيجية لها وهي أوروبا والشرق الأوسط والمنطقة الممتدة من المحيط الهندي إلى المحيط الهادي.

تصرح الوثيقة بأنها مبنية على عقيدة سياسية واقعية مبدئية. أي أنها تأخذ الواقع في عين الاعتبار ولكن تؤسسه على مبادئ أميركية سامية. ولكن إذا أخذنا الاعتراف بالقدس مقياساً على التوجه الاستراتيجي للإدارة فإنها ليست بواقعية ولا مبدئية. فهي تقوض أي فرص واقعية للسلام وتخرق المبادئ الدولية.

*كاتب وأكاديمي

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا