مقالات

إنهم يسرقون القدس

  • 1/2
  • 2/2

في المدن العربية بين «ترحب بكم» و«تستودعكم السلامة» ثمة مسافة على الأرض حددوها بالكيلومترات، وثمة مساحة في السماء لم يحددوها بعد، فالضباب كثيف وأزيز طائرات شركات الطيران يحجب الرؤية.

لكنك وأنت ترى اللافتة الكبيرة التي ترحب بك تشعر أن أهل المدينة كلهم وقفوا لاستقبالك وعليك أن ترد التحية بمثلها إن لم يكن أحسن منها. ليس هناك ما هو أحسن من بسمة شمس على وجه مدن وجدت لتكون جميلة جديدة، فيها خير معتق، كلما هطل مطر ضحكت أرضها الولاّدة، سنابل حبلى بالقمح، ذهبية بلون ضفائر فلاحة تصحو مع الشمس ولا تغيب في مساءات الحصيدة وشاي الحطب ودفء القصيدة.

ولا أعذب من موجات بحر صباحية توقظك من نومك لتواصل الحلم على مقهى في مدينة تجلس على كتف خليج عربي عربي منذ بداية التاريخ. تنتظر غواصي اللؤلؤ العائدين من بطن البحر وصوت النهام يصدح «هوب يا مال/‏‏يامال هوب يامال».

كلما اتسع الأخضر تفتحت رئتاك. تتنفس كما لو أنك تغرف الهواء غرفاً. تتسع عيناك لتمتلئا بالمدى وترفرف روحك كفراشة. أنت الآن بين الجنة والجنة. في حلم واقعي وحقيقة شوهتها الفرقة بين العربي والعربي وبين الأخ وأخيه وابن العم وابن عمه. لو نستطيع أن ننام طويلاً لتمر السنوات العجاف ويعود العربي إلى ذاته وتشفى الأمة من أمراضها المزمنة.

كم من امبراطورية في هذا الكون سادت ثم بادت. وكم منها طمع في هذه المنطقة العربية فغزا واحتل وأقام لكنها كلها رحلت وبقيت الأرض. إنها معادلة الجغرافيا الثابتة والتاريخ المتحرك.

في بداية غرور القوة في العالم كانت الإمبراطورية الرومانية، فالصينية، فالمغولية، فالإسبانية التي هيمنت حتى منتصف القرن السابع عشر وبعدها حلت الإمبراطورية الفرنسية التي هيمنت حتى عام 1815، تاريخ سقوط نابليون في معركة واترلو الشهيرة، ولو أن نابليون نجح في مشروعه لكانت أوروبا كلها قد أصبحت ذات تابعية فرنسية. ثم جاء دور الإمبراطورية البريطانية التي هيمنت على العالم ومقدراته حتى نهاية الحرب العالمية الأولى، بل حتى نهاية الثانية بشكل ما، ولم تكن الشمس تغرب عن ممتلكاتها أو أراضيها. ولكنها سقطت في نهاية المطاف وتحجَّمت. على هذا النحو تعاقبت الإمبراطوريات أو القوى العظمى وراء بعضها البعض من دون أن تستطيع أي منها أن تستمر إلى الأبد.

في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا التي خضعت مباشرة لسيطرة الرومان مخلفة أعداداً كبيرة من المعابد والآثار منها أحد عشر موقعاً لم تزل قائمة حتى الآن منها: جرش في الأردن وبعلبك وصور في لبنان وتدمر في سوريا وقرطاج في تونس ولبدة في ليبيا وفولوبيليس في المغرب وغيرها. كلها بقيت ورحل الغزاة. هذا هو قدر المنطقة العربية.

الاستعمار البريطاني ظل نحو مائة وخمسين عاماً يحكم منطقة الخليج العربية، وخاصة إمارات ساحل عمان، وكانت بريطانيا تستند في حكم هذه المناطق إلى اتفاقيات فرضتها السلطات البريطانية على هذه المناطق بعد احتلالها، والقضاء على قوتها البحرية والبرية، وتولت فيها الإشراف على شؤون الدفاع والشؤون الخارجية وحق التصرف في ثرواتها، والتحكم في أي اتصال يتم بينها وبين البلاد الأخرى، كما ساعدت على تنمية مشكلات الحدود والنزعات القبلية وإثارة الخلاف واتخاذ ذلك وسيلة للسيطرة الاستعمارية في المنطقة. كانت الذريعة التي تذرعت بها بريطانيا في احتلال المنطقة هي تأمين مصالحها في الهند «درة التاج البريطاني» في ذلك الوقت.

كما احتلت بريطانيا فلسطين والأردن والعراق فيما احتلت فرنسا المغرب العربي.

المنطقة العربية التي يسمونها الآن «الشرق الأوسط» منطقة حروب منذ تعلم الإنسان استخدام أدوات الطبيعة للعيش على هذه الأرض. ولذلك فإن القول إن المنطقة ستعيش فترة طويلة من الهدوء والسلام، فإنه نوع من التجاوز على التاريخ، وعلى طبيعة هذه المنطقة الجاذبة أو القابلة أكثر من غيرها في العالم للنزاعات.

الجغرافيا فرضت على منطقتنا العربية أن تكون سرّة الأرض، فيها سر الديانات ونبع النور للبشرية. وفيها الذهب الأصفر والأسود وسنابل القمح وسلال الزعتر والليمون والبرتقال والزيتون.

ها هم الصهاينة يتصرفون كما لو أنهم إمبراطورية يهودية، يحتلون فلسطين ويتمددون كيفما يحلو لهم. وها هو ترامب يسرق القدس ليهديها لهم «عاصمة أبدية» ولا عزاء ولا مكان للعرب والمسلمين.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا