مقالات

انتعاش البترول والضغوط السياسية

  • 1/2
  • 2/2

الاتجاه الصعودي السريع لأسعار البترول خلال الأسابيع القليلة الماضية واقترابه من ملامسة السبعين دولاراً للبرميل وربما أكثر - قبل نهاية العام الجاري- يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن دورة التعافي لأسعار البترول قد بدأت بالفعل وأن هذا التطور ليس وقتياً بقدر ارتباطه بتطورات سياسية وأمنية على صعيد الشرق الأوسط خاصة والعالم بشكل عام، إضافة إلى عوامل أخرى لها أبعادها المالية والاقتصادية.

وأغلب الظن أن على رأس العوامل الأخيرة ما يتعلق بالإعلان السعودي عن قرب طرح «ارامكو» في أسواق المال بعائد يقترب من التريليونين ونصف التريليون دولار وهو رقم غير مسبوق في هذا المجال، علاوة على إعلان الشركة العملاقة ذاتها عن رفع إنفاقها الاستثماري السنوي إلى أكثر من مائة مليار دولار، وإذا ما أضفنا إلى ذلك صمود اتفاق «أوبك» حول خفض سقف إنتاج المنظمة والاتجاه إلى تجديد العمل به دون تحديات كبيرة مثلما أعلنت دولة الإمارات، نستطيع أن ندرك دور العوامل المالية والتجارية المساهمة في المنحى الصعودي السريع للأسعار في دورتها الجديدة.

ومن الحقائق المهمة في هذا السياق أنه برغم الحديث المتكرر عن وسائل الطاقة البديلة الجديدة والنظيفة المعتمدة على مصادر غير ناضبة وأبرزها الشمس والرياح إلا أن النفط لايزال يمثل العصب الحقيقي لمصادر الطاقة وبالتالي حركة الاقتصاد والتنمية على الصعيد العالمي حيث لم يظهر حتى اليوم المصدر البديل الذي يمكنه جعل النفط مصدراً من الماضي مثلما حصل مع الفحم من قبل.

وكما سبقت الإشارة فإن النفط لا يزال عصب الاقتصاد والتنمية في العالم وإن تأثر بشكل ثانوي بمصادر أخرى مثل الطاقة النووية والطاقة الشمسية وطاقة الرياح والطاقة الحيوية، أضف إليها الزيوت الصخرية، إلا أن هذه المصادر كافة لا تستطيع تلبية احتياجات العالم من الطاقة الأحفورية وخاصة النفط والغاز، ومن ثم سيظل هو السلعة الاستراتيجية الأكثر أهمية والأشد طلباً على الصعيد العالمي لعقود ليست قليلة.

وبحكم كونه سلعة مهمة فهو بالتأكيد عرضة لتقلبات سعرية مألوفة وعادية في بعض الأحيان ولكنها تتسم بالحدية الشديدة في أحيان أخرى، مما يسبب مشاكل كثيرة للمنتجين والمستهلكين على حد سواء وكذلك للنمو الاقتصادي العالمي، ولا شك في أن أزمة الدول المنتجة جراء تراجع الأسعار أكبر وأعمق لأن معظم الدول المنتجة له خاصة من داخل أوبك تعتمد عليه كمصدر أساسي ـ وربما وحيد في عدة دول ـ للدخل الوطني، وتلك مشكلة سبق الخوض فيها أكثر من مرة عند الحديث عن مخاطر «الاقتصاد أحادي الجانب».

ومن ثم فإن الخروج من عباءته -واعتماد برامج استراتيجية للتنمية تتنوع فيها مصادر الدخل الوطني ويوظف النفط ذاته لخدمة هذه البرامج باعتباره عنصراً من عناصر التنمية وليس أساسها الوحيد ـ كفيل بأن يجنب الدول المنتجة الهزات العنيفة المرتبطة بالتذبذب السعري الحاد الذي لم يعد بالفعل خاضعاً فقط لقوانين العرض والطلب.

وتظل احتمالات حدوث زيادات أخرى مهمة في الأسعار قائمة، حيث تربط تقارير دولية متخصصة ذلك بزيادة سكان العالم من 7.3 إلى 9.07 مليارات نسمة بحلول 2040 مشيرة إلى أن معظم النمو في سكان الدول النامية حيث الحاجة الكبيرة للطاقة والنفط، كما أن من المتوقع أن ينمو الاقتصاد العالمي 3.1% سنوياً وأن تنمو الدول النامية بدرجة أعلى من الدول المتقدمة، وتفترض التقارير أن سياسات الطاقة هي تلك المعتمدة والمعلنة حاليا، وأنها ستتطور بمرور الزمن خاصة من حيث تخفيض انبعاثات الغازات الدفيئة والتوجه نحو الطاقات المتجددة في توليد الكهرباء، لكن أهم الافتراضات يتعلق بسعر البترول ذاته.

وبموجب الافتراضات السابقة يقدر التقرير أن الطلب العالمي على الطاقة سوف يرتفع من 273.9 إلى 382.1 مليون برميل نفط مكافئ في 2040 بنسبة نمو 1.3% في السنة وأن النفط والغاز سيحافظان على نسبتهما الكلية البالغة 53% حالياً، وكما هو متوقع ستكون نسبة نمو الطلب على الغاز 2.1% بالسنة أي أكثر من نسبتي نمو النفط والفحم البالغة 0.6% لكل منهما، وإن نسبة نمو الطاقات المتجددة من الشمس والريح والحرارة الجوفية ستكون 6.6% الأعلى بين الكل لأن التوجه نحو هذه الطاقات لتوليد الكهرباء لم يعد نزوة أو خيالاً.

وتبقى التقارير إيجابية بالنسبة لنمو الطلب على النفط إذ يتوقع ارتفاعه إلى 99.2 مليون برميل يومياً في عام 2021 أي بزيادة مليون برميل عما كان متوقعاً في العام الماضي بفعل استمرار انخفاض أسعار النفط وسيستمر الارتفاع إلى 109.4 ملايين برميل يومياً في 2040 وهو ما ينقص عن توقعات العام الماضي قليلاً بفعل مزاحمة الطاقات المتجددة والكهرباء.

وفي الفترة موضع البحث من المرجح انخفاض الطلب في الدول الصناعية بمقدار 8.9 ملايين برميل يوميا بسبب زيادة كفاءة استهلاك السيارات وزيادة أعدادها المعتمدة على الوقود البديل من كهرباء وغاز وسوائل عضوية، ويعني ذلك أن الأسعار ستكون خاضعة لسلسلة من العوامل المتغيرة التي لا تستبعد الاتجاه الصعودي الجاري.

ولعل من الضروري الآن الأخذ في الاعتبار التطورات الأمنية التي شهدها العالم مؤخراً ولعبت بالفعل ما يشبه دور المطارق السياسية في رفع معدلات الأسعار بسرعة لافتة بعد سنوات طويلة من التراجع الحاد، وليس خافياً أن على رأس هذه «المطارق الخطيرة» تجدد المواجهات بين طهران وواشنطن والتهديد بإلغاء اتفاق «5+1» وانتقاد الدور الإيراني إقليمياً بعد تصاعد الشكاوى العالمية من تأثيراته التخريبية في سوريا واليمن والعراق، وأخيراً في لبنان.

وقبل ذلك يظل التوتر المتصاعد بين كوريا الشمالية والقوى الغربية عموماً، والولايات المتحدة خصوصاً ضمن العوامل المؤثرة على أسعار السلع الاستراتيجية في الأسواق العالمية وفي المقدمة منها البترول، إلا أن المرجح أن أسعار النفط لن تتراجع حتى ولو هدأت حدة التوترات، فدورة الصعود السعري قد بدأت بالفعل.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا