مقالات

أدرينالين سـعد الحريري

العالم - السعودية

إذ أن مزيجاً من العلامات المنشطة لهرمون الأدرينالين كالحزن الدفين والغضب المكبوت والقلق العميق، كلها علامات طبعت بالفعل وجهه وحركاته وكلماته طوال دقائق المقابلة المنقولة على الهواء.

ولم تنجح لا محاولاته ولا محاولات محاورته (بولا يعقوبيان) لإخفاء هذه العلامات، بل على العكس من ذلك فإن الجهد الذي بذله بقصد التمظهر بشكل مغاير للحقيقة عزز من الإنطباع القائل بحراجة وضعه بعامّة، فتصنّعه للإبتسام الشحيح لم يُغط على هالة الحزن التي تكسو وجهه بقدر ما فضحها، وتعمّده الهدوء المغالي لم يقلص من عديد ملامح غضبه بقدر ما ضاعفها، أما القلق العميق فقد خيم على كامل أجواء المقابلة وألقى بظلاله الثقيلة على مجمل حركات جسده ومخارج كلماته، ما يعني في المحصلة النهائية بأن الحريري لا شك مقيد الحركة (واللسان) بدرجة قد تقل عن الإحتجاز ولكنها لا تجعله مطلق السراح .

هذا لجهة الشكل، أما لجهة المضمون، فيبدو أن هرمون الأدرينالين قد وجد ضالته في لسان الحريري قبل وأكثر من بقية أجزاء جسده، حيث تثاقل هذا اللسان لمرات وهو يجاهد لكي يفصح عن الدوافع الكامنة وراء إعلانه عن إستقالته من الرياض لا من بيروت، كما انتابه ما يشبه التكرار اللا شعوري لجملة (النأي بالنفس) حين راح يعيدها بمناسبة وغير مناسبة في خضم شرحه لا لموقفه من (حزب الله) فحسب ولكن لمجمل مشاكل لبنان والمنطقة، ما يعني أن القيادة السعودية كانت قد وضعت الحريري قبل الإستقالة من موقعه كرئيس للوزراء موضع المقايضة الصعبة، فإما أن يخرج من المشهد السياسي اللبناني وإما أن يدفع حزب الله إلى الإنسحاب من الملفات الأقليمية، وخصوصاً ملف اليمن.

ومع معرفة القيادة السعودية بمحدودية أدواته وإمكاناته لحسم هكذا مقايضة إلا أنها لم تنفك تضغط عليه لتنفيذها حتى أوصلته إلى الإستسلام لإرادتها بإعلان إستقالته من الرياض عبر القناة السعودية (العربية) قاصدة من وراء ذلك وضع لبنان في أجواء ملتهبة قد يمكن من خلالها إعادة ترتيب سلم الأولويات الداخلية اللبنانية وكذا الإقليمية لتلتقي جميعها عند أولوية دفع (أو إخضاع) حزب الله للإلتزام بشعار (النأي بالنفس) والإنكفاء إلى الداخل اللبناني.

لكن الرياح اللبنانية (مشفوعة بمثيلتيها الإقليمية والدولية) لم تأت كما اشتهت سفينة الربان (المقامر) محمد بن سلمان، إذ أن اللبنانيين على اختلاف طوائفهم رفضوا تمرير الطريقة السعودية التي استقال بها الحريري وتوحّدوا (في مشهد عزيز) لإزدراء ما اعتبروه إنتقاصاً سعودياً رسمياً من كرامتهم الوطنية ، فيما إقليميا ودولياً كان هناك ما يشبه الإجماع على إعتبار الحريري قيد الإحتجاز السعودي (بدرجة أو بأخرى) وتالياً الإحجام عن التسليم بتبعات إستقالته المشكوك بأمرها جملة وتفصيلا، شكلا ومضموناً ، كما برهنت على ذلك ( المقابلة) التي أرادتها القيادة السعودية ، على ما يبدو ، فرصة للتراجع خطوة إلى الوراء بعد أن لقيت كل هذا الصّـد الجماعي الرافض لسيناريو التصعيد الفوضوي من بوابة الإستقالة الغرائبية هذه، غير أنها لم تكن خطوة كافية لتبديد هواجس الحريري قبل غيره، سيما بوجود هكذا سياسات سعودية أقرب إلى العشوائية منها إلى أي تصنيف آخر ، ولهذا بدى الحريري في المقابلة الأخيرة على ما بدى عليه من حزن وغضب وقلق حد الرهبة ، وبما يفتح شهية الأدرينالين على التدفق في كل نواحي جسمه .

بقلم: مهند بتار

106-10

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا