مقالات

بدون مؤاخذة- عندما تتحوّل الدّول إلى كلاب صيد

من شاهد المقابلة التي بثتها فضائيّة قطر مع الشّيخ حمد بن جاسم رئيس وزراء قطر السّابق قبل أسبوع، سيدهش من جرأة الرّجل عندما تحدّث عمّا سمّي "بالربيع العربيّ"، وهذا ليس جديدا على الرّجل، فقد سبق وأن اعترف قبل سنوات عن علاقات لبلاده مع اسرائيل، وعن القاعدة العسكريّة الأمريكيّة في بلاده، وسبق أن صرّح أثناء العدوان الاسرائيلي على قطاع غزّة في صيف العام 2014 عندما وصف العرب"بالأغنام" التي تفترسها الذّئاب دون أن تستطيع الدّفاع عن نفسها.

لكن ما يستحقّ الوقوف عنده هو ما قاله أنّ قطر وبعض الدّول الخليجية قد ساهمت في أعمال القتل والتّدمير، في "العراق، سوريّا، ليبيا، لبنان، مصر واليمن"، ولم يترك مجالا للمتقوّلين حول الحرب الكونيّة التي اشتعلت نيرانها في سوريّا منذ العام 2011، عندما صرّح بالفم الملآن بأنّهم دعموا "الثّورة"! بإيعاز من الأمريكان، حيث كانوا يقدّمون لها المال عن طريق أمريكا ومخابراتها"السّي آي إيه"، في تركيّا، حيث يجري التّسليح والتّدريب بالتّنسيق مع أمريكا واسرائيل.، و"تهاوشنا عندما فلتت الصّيدة"، أي عندما لم يستطيعوا هدم الدّولة السّوريّة، ولم يستطيعوا اسقاط نظام الرّئيس بشّار الأسد.

وواضح أنّ مخطّط الحرب والدّمار على سوريّا، قد بدأ عام 2007، بعد الحرب التي شنّتها اسرائيل على لبنان، ولم تحقّق أهدافها بالقضاء على حزب الله، لتنفيذ مشروع "الشّرق الأوسط الجديد" الذي أعلنته كونداليزا رايس وزيرة الخارجيّة الأمريكيّة يومئذ من قلب بيروت، والذي يسعى إلى إعادة تقسيم المنطقة إلى دويلات طائفيّة متناحرة، لتصفية القضيّة الفلسطينيّة لصالح المشروع الصّهيوني، وكما هو معروف فإنّ سوريا وإيران هما من تقفان خلف حزب الله اللبناني وتدعمانه، ومن هنا جاء التّخطيط لتدمير سوريا وقتل وتشريد شعبها، وانهاك واستنزاف جيشها في حرب ظالمة تمّ فيها استقدام المرتزقة من عشرات الدّول، واللافت أنّه جرى استغلال العاطفة الدّينيّة لجهلاء المسلمين، من خلال مشاركة قيادات الاسلام السّياسي في هذه الحرب، ولم يعد خافيا على أحد مشاركة القيادة العالميّة للاخوان المسلمين في تلك المؤامرة، التي كان أتباعها وأنصارها وقودا لها، وفي الوقت نفسه رأس الحربة فيها، ففتاوي الشّيخ القرضاوي وغيره من أصحاب العمائم واللحى كانت تبثّ سمومها في وسائل الاعلام بشكل مكثّف ولافت.

والمتمعّن فيما قاله الشّيخ حمد بن جاسم سيجد أنّ النّظام القطري وبعض الأنظمة العربيّة الأخرى، وبعض الدّول الاسلاميّة وفي مقدّمتها تركيّا "السّنّيّة" التي ساهمت في الحرب التّدميريّة على سوريا قد ارتضت أن تكون كلاب صيد للسّيّدين الأمريكي والاسرائيلي، "وتهاوشنا عندما فلتت الصّيدة من بين أيدينا"!ومعروف أنّ كلاب الصّيد تصطاد فرائسها لصالح سيّدها، أي أنّ دولا عربيّة واسلاميّة، وتنظيمات وأحزاب اسلاميّة قد خاضت حربها في سوريّا نيابة عن أمريكا واسرائيل.

وواضح أنّ تصريحات الشّيخ حمد بن جاسم لم تكن عفويّة، وإنّما هي مدروسة بدقّة متناهية، وجاءت بعد أن أوشكت سوريّا على اعلان النّصر وانتهاء الحرب القذرة التي دارت على الأراضي السّورية، وقطر استغلّت ذلك لتكون البادئة في تحسين علاقتها مع سوريّا وحليفتها الاستراتيجيّة إيران، بعد أن تورّطت قطر في تأزيم علاقاتها مع جاراتها الخليجيّة، والتي تسعى إلى استبدال الأسرة الحاكمة في قطر.

ولم يعد خافيّا على أحد بأنّ أمريكا، التي تخوض حروبها بعد الحرب الفيتناميّة بدماء وأموال أتباعها،هي التي خلقت تنظيمات الاسلام السّياسيّ التي مارست الارهاب في سوريا، العراق، لبنان، ليبيا ومصر. وأنّ مساهمة أتباعها في تمويل تلك الحرب بناء على طلب أمريكا، هي التي حمتها من تصنيفها أمريكيّا كدول راعية للارهاب. مع التّأكيد على غباء تنظيمات الاسلام السّياسيّ وتذيّله لأمريكا عبر تاريخه، وما تاريخ تنظيم "القاعدة" ببعيد عندما أسّسته أمريكا ودعمته الدّول العربيّة ماليّا لمحاربة السوّفييت في أفغانستان وفي غيرها.

ومع أنّ "الصّيدة" السّوريّة قد أفلتت من بين أنياب الكلاب الأمريكيّة، بدعم إيرانيّ وروسيّ، فإنّ أتباع أمريكا لم يتعلّموا من هذا الدّرس، فقد عادوا إلى حلقة أخرى أخرى من خلال التّحالف الأمني والعسكري مع اسرائيل تمهيدا لحرب أمريكيّة قادمة على إيران، قد تجرّ العالم في حالة اشتعالها إلى حرب كونيّة، لأن أمريكا قلقة من تراجع دورها كدولة تتحكّم بمصير العالم، خصوصا بعد عودة روسيا إلى دورها العالميّ، كبديل للدّور السوفييتي الذي انهار بداية تسعينات القرن الماضي، ولصعود قوى اقتصادية عملاقة كالصّين، الهند، وبعض دول أمريكا اللاتينيّة، ممّا أدّى إلى تراجع لافت للاقتصاد الأمريكي الذي كان يستحوذ على 51% من اقتصاد العالم حتّى العام 2001. والحرب الكونيّة القادمة تنبّأ بها هنري كيسنجر وزير الخارجيّة الأمريكيّة الأسبق منذ عقود، وتنبّأ بأنّ من سينتصر فيها هو أمريكا واسرائيل، وبغضّ النّظر عن نبوءة كيسنجر، ومدى تحقيقها، لكن بالتّأكيد فإنّ العربان هم الخاسر الأوّل فيها.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا