مقالات

أزمة المتطرفين في أوروبا

سلط قرار النمسا بحظر النقاب في الأماكن العامة الضوء على أزمة المتطرفين في أوروبا. وهم الأشخاص الذين يحاولون زج الدين في السياسة، وخلط المجالين العام والخاص معاً، ومحاولة خلق دولة داخل دولة ومجتمع داخل مجتمع. البعض يسعى إلى فرض الانقسام والاختلاف وليس التنوع الذي يغني المجتمعات.

وتأتي الخطوة النمساوية بعد كل من فرنسا وبلجيكا عام 2011. وتجدر الإشارة إلى أن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان أيدت حكماً صادراً عن محكمة بلجيكية يقضي بحظر النقاب في الأماكن العامة، وأكدت المحكمة أن الحظر لا ينتهك الميثاق الأوروبي لحقوق الإنسان.

إن التركيز على بعض الأمور التي تثير الريبة والشك فيهم وتخيف المجتمعات التي يعيشون بها له تبعات سلبية على المسلمين الذين يندمجون في تلك المجتمعات الأوروبية. إن المجتمعات الأوروبية تسمح بحرية المعتقد والعبادة أكثر من بعض البلدان الإسلامية، وعلى المسلمين أن يتمتعوا بتلك الحريات والابتعاد عن الإسلاميين.

هناك أمثلة ناجحة للمسلمين في أوروبا مثل صادق خان عمدة لندن وأعضاء البرلمان البريطاني من البريطانيين المسلمين وبعض الوزراء المسلمين السابقين في فرنسا. هناك فرص للترقي والنجاح توفرها تلك المجتمعات للمسلمين بشرط اندماج هؤلاء في المجتمع، والعمل بجد، وعدم تعليق الفشل على شماعة الإسلاموفوبيا أو كراهية الإسلام والمسلمين.

من المهم للنماذج الناجحة من المسلمين في أوروبا أن يقللوا من المساحات المتاحة للمتطرفين حتى لا يخطفوا الإسلام إلى دائرة التشدد والتعصب والتطرف والإرهاب. يضاف إلى ذلك على الحكومات الأوروبية أن تضع خطوطاً حمراء لا تسمح باتساع دائرة التطرف.

وأن تساعد المسلمين على التأقلم والتعايش مع المجتمعات التي يعيشون بها. ولا يجب السماح بقيام كيانات موازية لهؤلاء المتطرفين مثل مجالس الشريعة في بريطانيا التي تثير التميز ضد المرأة، وهو ما يعد مناقضاً لقوانين المساواة داخل بريطانيا.

يجب عمل برامج لتشجيع المسلمين على الاندماج مثل استقطابهم في برامج للعمل التطوعي للتعرف على المجتمعات الجديدة، وكذلك تعلمهم لغة البلد الذي يعيشون به وإلغاء الترجمة لهم، فاللغة هي أحد الأعمدة الرئيسية للاندماج.

يجب التواصل مع المجتمعات الإسلامية في البلدان الأوروبية من خلال النماذج الإسلامية الناجحة حتى يتم تشجيع الشباب المسلم على الاندماج والتعايش وتحقيق النجاح. يضاف إلى ذلك منع دعاة التطرف من التواصل مع المسلمين حتى تضيق دائرة التطرف وتزداد دائرة المسلمين المندمجين الناجحين.

هناك حاجة إلى منظومة متكاملة بالشراكة بين الحكومات والقيادات الإسلامية الناجحة لتضييق الخناق على المتطرفين الداعين لعدم التعايش والشكوى من التمييز بحق ومن دون حق. إن محاصرة دور المتطرفين يقلل من تزايد شعبية التيارات اليمينية التي تتنفس على خطر التطرف الديني، ويساعد أيضاً على خنق مصادر تنفس التطرف والإرهاب.

إن خطر تنظيم داعش الأيدولوجي من خلال «الإنترنت» ولاسيما «تليغرام» المتزايد في بريطانيا بصورة خاصة يمكن محاصرته بتقليل الجمهور المستعد لتلقى رسالته التي تحض على الكراهية والتعصب والعنف.

على الحكومات الأوروبية أن تتخلص من عقدة الخوف من اتهامها بالإسلاموفوبيا وتتخذ قرارات جريئة لوقف خطر الإسلاميين.

على تلك الحكومات أن تشجع المسلمين الناجحين على التواصل مع المجتمعات الإسلامية من خلال الإعلام والزيارات الميدانية وغيرها. من جانب آخر يجب أن تقف تلك الحكومات ضد كل محاولات المتطرفين لبناء دولة داخل دولة مستغلين الحريات الكبيرة المتوافرة في أوروبا.

يجب وضع حدود وقوانين بصورة لا تسمح باستغلال تلك الحريات. على سبيل المثال لابد من حماية المجتمع من خطر فرد، والتخلي عن فكرة حماية حقوق الفرد الذي يتعدى وينتهك حقوق المجتمع ككل. إن أزمة المتطرفين تتمثل في محاولة فرض طريقة حياتهم على كل المجتمع، وإجبار المجتمع على تقبل ذلك، وبناء نظام قيمي يتناقض مع قيم المجتمع الذي يعيشون به.

للأسف إن الحريات المتوافرة في تلك المجتمعات الأوروبية تسمح بتنامي تواجد المتطرفين، وهو ما يسيء للإسلام والمسلمين المندمجين في تلك المجتمعات. لا توجد حريات مطلقة، ووضع قيود على بعضها يصب في صالح المجتمع ككل.

تجدر الإشارة إلى أن نظرية العقد الاجتماعي في نشأة الدولة تقوم على تنازل الأفراد عن بعض حرياتهم للسلطة التي تفرض النظام وتحقق الأمن والسلم في المجتمع للجميع. هناك حاجة للأمن والسلام وهذا يتطلب تقييد بعض الحريات لتضييق المجال أمام المتطرفين.

 

 

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا