مقالات

"وأنا من المطبّلين".. في نقد ابتذال الوطن!

العالم – مقالات وتحليلات

المتابع للسجالات الدائرة في موقع تويتر، بين النخب السعودية، يجد أن الخلايا الإلكترونية، تلك البدعة التي يختنق بها الفضاء السعودي الافتراضي الإلكتروني، إلى درجة أنه لا يمكنك بسببها أن تتبين قدرًا ولو ضئيلاً من حقائق الرأي العام في ذلك البلد؛ ليست وحدها، أي تلك الخلايا، التي تبتذل الوطن، وتستخدمه بهذا الشكل المسفّ، ولا حتى المتزلفين المعروفين، أو المستفيدين من حقبة الحكم الراهنة، أو المرتجفين رعبًا، فحسب، بل وحتى المجتهدين في الموازنة ما بين الحفاظ على كراماتهم وحماية أنفسهم، لا يجدون بدًّا من تكثيف استخدام كلمة الوطن، وحشرها بين كلمة وأخرى، لإثبات وطنيتهم!

"أنا مع الوطن، لا يمكنني إلا أن أنحاز للوطن"؛ تلك بعض التنويعات على نغم الابتذال في سجالات النخب السعودية، فالوطن هنا ليس فضاءً جغرافيًّا تنبثق فيه، في مسار تاريخيّ، مشتركات تربط أمة من الناس يلتمسون فيما بينهم التشابه والتماثل، ولا حتى هو الدولة، وإنما هو سياسات الحاكم، إنْ سياسات خارجية، كحصار قطر، أو دعم السيسي، أو سياسات داخلية كفرض الضرائب، واعتقال الناس بلا أدنى مسوّغ، والمفارقة الطريفة في هذه الحالة، أن الوطن متغيّر، إذ هو غير مجرّد من الحاكم، ويجري تسييله إلى الدرجة التّي تُتخذ فيها السياسات الآنية والمتغيرة وسيلة لتعريفه!

في كلّ بلاد العالم -تقريبًا- لا يجد الناس أنفسهم ضدّ الوطن؛ ولا يتهمهم مخالفوهم في المقابل بانعدام الوطنية، إن عارضوا حكوماتهم في سياسات من هذا النوع، حتى في بعض البلاد التي يتّسم فيها الحكم بالاستبداد والشمول، إلا في المملكة العربية السعودية!

حتّى في البلاد العربية التي عُرفت بأنماط متضخمة من التعبيرات الوطنية، كما في مصر، لا نجد هذا الاستخدام الكثيف لكلمة "الوطن"، إذ يبدو الأمر وكأنه مفروغ منه، وغالبًا ما يُستعاض عنه بـ "مصر" مجرّدة، أو في البلاد التي للوطنية فيها خصوصية عالية، كما في فلسطين إذ تُستخدم الوطنية أداة لمواجهة الاحتلال، لا نجد أحدًا مضطرًا لابتذال "الوطن" دفاعًا عن موقف سياسي أو إثباتًا للوطنية، وفي الحالة السورية، يستخدم أنصار النظام في أزمتهم تعبير "الدولة"، وكأنّهم يجرّدون "الوطن" من الطارئ والجاري والمتغير، بالرغم من نمط الحكم الاستبدادي والشمولي عندهم!

تظلّ المملكة العربية السعودية حالة متفردة، في كثافة ابتذال مفهوم "الوطن" سواء من جهة الاستخدام اللفظي، أو من جهة التوظيف، أو من جهة طبيعة المفهوم، الذي لا يُعرّف عندهم، وفي استخداماتهم، مجرّدًا، أو قائمًا بذاته، أو بنية سابقة على الحاكم، بل ولا على سياساته المتغيرة!

تصلح مقالة الشيخ عادل الكلباني، نموذجًا يختزل النمط السعودي في إثبات الوطنية، وعلى النحو الذي لا يبتذل الوطن فحسب، بل والدين أيضًا، إذ للسعودية خصوصية دينية من جهتين، من جهة حكمها للحجاز حيث الحرمين، ومن جهة قيام الدولة في أصل نشأتها على دعاية دينية معينة، هي "الوهابية".

الوطن عند الشيخ عادل الكلباني، كما سلف، هو الحاكم، أو اكتماله لا يكون إلا بالولاء للحاكم الراهن، في نمط من الوثنية يتجاوز توثين الوطن إلى توثين الحاكم، بل وتوثين سياساته التي من الطبيعيّ جدًّا أن تكون محل خلاف لدى أيّ أمّة يغلب فيها العقلاء على الحمقى.

وهذا التوثين حقيقيّ، إذ يمنّ الشيخ عادل على الناس بفضل الله الذي أطعمهم من خير "الوطن" وأمّنهم في حدوده، في سياقه حديثه عن كون الولاء للحاكم "علامة صدق على الإيمان"، فالفضل هنا ليس لله مجرّدًا، ولا للوطن مجرّدًا، بل للوطن المحكوم بهذا الحاكم، وهو قول يشبه كثيرًا قول فرعون "أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي"، مع أنّ الله منّ بذاته وحده أن أطعم قريشًا من جوع وآمنهم من خوف، ولم يردّ بعضًا من الأمر لسادتها، ولكنّ ردّ الرزق والحياة والموت للحاكم، هي سنّة فرعون والنمرود، كما يحفظ الشيخ عادل ويتلو جيدًا.

من أراد أن يكون رأسًا مفكرًا، أي قائدًا، فإن عليه واجبات والتزامات، تقتضيها مسؤوليته، وهذا منطق الأشياء، ولكن الشيخ عادل الكلباني يعيّر العرب والمسلمين، بكون بلده رأسًا مفكرًا، ويكفينا منها هذا الوصف.

والشيخ عادل قد جعل نبيه، صلّى الله عليه وسلم، سعوديًّا، كما فعل من قبل المطرب السعودي محمد عبده، وكما فعل أخيرًا عائض القرني في سياق الافتخار باليوم الوطني، أي ذكرى تأسيس السعودية التي لم تكن قبل 23 أيلول/ سبتمبر 1932، إذ النبي مواطن في "وطن" الشيخ عادل الكلباني التي هي السعودية والتي بداهة لم تكن موجودة زمن النبي، صلّى الله عليه وسلم! هنا الابتذال يكون قرين الجهل!

إنّ مثل هذا النقد يُعرّف من الشيخ عادل بأنه حقد على السعودية وحسد لها. مفردتا الحقد والحسد لا بدّ منهما في سياقات المزايدة الوطنية السعودية، أو في الدفاع عن سياسات الحكم هناك، وتلك بطبيعة الحال مصادرة، إذ لا يمكن أن يكون سعودي أو عربي أو مسلم، ناصحًا أمينًا، ما دامت نصيحته تستهدف سياسات الحكم، فتلك السياسات، بحسب الشيخ عادل، هي الوطن نفسه، الوطن المعرّف بحاكمه!

ويغالط الشيخ عادل، في حالة تماه مع خطاب "الذباب الإلكتروني"، فيدافع عن بلده بأنّ بقية العرب والمسلمين يحمّلونها كل إخفاقات الأمة، بينما وهي "الرأس المفكر" بحسب الشيخ عادل، لا تجد إلا جسدًا ضعيفًا، هو الأمة، والمغالطة هنا ليست في انصراف الشيخ عن انتقاد أوضاع بلده السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وانصرافه للتطبيل، فهو حرّ في ذلك، بل وطالما أنّه أقحم الأمّة في تطبيله، فإنما مغالطته في غفلته عن أمرين اثنين.

الأول: أن الناس في الأمة باتت تطالب حاكمه، بكفّ أذاه عن بلاد العرب والمسلمين، أليس هو الذي ساهم في إفساد ثورة المصريين، ودعم طاغية استباح الناس في دمائهم وأموالهم؟ وعاث عبثًا بسوريا وأهلها، حتى إذا دار الزمن دورته جعلهم معيارًا يهدّد به الشعب عنده، "إمّا الأمن الذي يمنحنا إياه الحاكم، أو أن تصير بلادكم خرابًا كسوريا"؟ وحاصر قطر في وقت بات يقول فيه إنه لا مبرر لاستمرار النزاع العربي الإسرائيلي؟ والنقد هنا لحاكمه لا لوطنه، ولكن الشيخ عادل يعجز عن التمييز بينهما!

والثاني: أن من أراد أن يكون رأسًا مفكرًا، أي قائدًا، فإن عليه واجبات والتزامات، تقتضيها مسؤوليته، وهذا منطق الأشياء، ولكن الشيخ يعيّر العرب والمسلمين، بكون بلده رأسًا مفكرًا، ويكفينا منها هذا الوصف، فنتبعها، ونتبنى قضاياها، مهما فعلت بنا وبقضايانا!

لعل الشيخ مضطر، أو قد تأول لنفسه كي لا يلحق ببعض من إخوانه وزملائه إلى السجن، إن لم يطبل تطبيلته تلك، ولكن يبقى سؤال، لماذا هذا التكثيف في ابتذال الوطن في السجال السعودي؟

الإجابة تحتاج بسطًا مستقلاً.

المصدر: الجزيرة

216

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا