الارشيف / مقالات

الأزمة المتصاعدة في شرق آسيا

تجربة الأسلحة الصاروخية التي أجرتها كوريا الشمالية مؤخراً، والتي تم فيها إطلاق صاروخ «هواسونغ-12» فوق اليابان، تمثل المرحلة الأخيرة في الأزمة المتصاعدة في شرق آسيا. وتكمن الأزمة في أن الرئيس الكوري الشمالي كيم جونغ أون يبذل جهوداً مكثفة لإطلاق أسلحة نووية مصغرة متصلة بصواريخ بالستية عابرة للقارات بمدى قادر على الوصول إلى الولايات المتحدة وضربها.

وهذه القدرة تمثل جانبين استراتيجيين بالنسبة لبيونغيانغ، الجانب الأول أنه يشرع سلطة النظام الشيوعي في كوريا الشمالية محلياً، من خلال إظهار أنه يدافع عن البلاد من التهديد الأميركي والكوري الجنوبي، وهو التهديد الذي طالما تحدث أون عنه وذمه، وأظهر أنه يدافع عن نظامه منه منذ عقود.

والجانب الثاني، أن التجارب الصاروخية تساعد على بقاء النظام الشيوعي من خلال إظهار أن التدخل الخارجي سيكون كارثياً، وأفضل مثال على ذلك ما حدث لصدام حسين ومعمر القذافي اللذين عاد بلداهما قروناً إلى الوراء ودمرت بنيتهما التحتية.

وقد يبدو هذا المنطق عقلانياً بالنسبة لبعض الأطراف، غير أن طبيعة الزعيم الكوري الشمالي وتبادله الحرب الكلامية مع رئيس الولايات المتحدة يثير أسئلة مثيرة للقلق بشأن سوء التقدير والتفاعل الزائد عن الحد.

والكلام المنمق هو المخزون التجاري بالنسبة لكوريا الشمالية، سواء الآن أو منذ عقود، وقد قابل الرئيس ترامب الخطابات النارية بمثلها، مما أدى إلى دينامية تصعيد بين الجانبين أثارت قلقاً عميقاً. وخلف الحرب الكلامية، يبدو أن كوريا الشمالية حققت بالطبع أهدافها، ويتوقع على نطاق واسع أن بيونغيانغ ستحقق طموحاتها النووية في غضون عامين.

والسؤال الذي يطرح نفسه الآن هو عما إذا كان هذا الصراع المحموم قابل للتهدئة، ويوفر حيزاً للحوار قبل ارتكاب أي خطأ، أم أن الشمال الشيوعي قد تجاوز خط النهاية؟ فالبراغماتية والجودة تظهران بصورة استثنائية.

ويجري حالياً العمل على ديناميات متشابكة عدة، إحداها يظهر وجود صراع بين الشمال والجنوب في شبه الجزيرة الكورية، فالهدنة التي تم التوقيع عليها في عام 1953، والتي أنهت الحرب الكورية، كانت مجرد وقف لإطلاق النار وليس اتفاق سلام، لذا فإن الطرفين المتنازعين بقيا في حالة حرب من الناحية الفنية.

وبكلمات أخرى، هناك تنافس شديد بين الصين والولايات المتحدة، والأخيرة لديها 30 ألف جندي يرابطون في الجنوب، وهناك حلف عسكري يربط واشنطن بسيئول.

أما الشمال، فيقيم علاقات اقتصادية جوهرية مع الصين، وتربطه بها اتفاقية دفاع مشترك.

ودعم بكين للدولة الشمالية المعزولة يعتبر استراتيجية جذرية. وأي سيناريو يعرض نظام بيونغيانغ للانهيار أو للسقوط، فإن ذلك يثير قلق الصين نظراً لأنه سيؤدي إلى تدفق اللاجئين عبر حدودها، وهي تعارض بشدة إيجاد كوريا موحدة تدار من سيئول، نظراً لأن ذلك يوجد حليفاً أميركياً على عتبة دارها. وبكين تؤيد تكتيكياً الشمال لمنع حدوث هذا السيناريو، غير أن عرض القوة البارز لكيم أون جونغ يجعل هذا الوضع مكلفاً بالنسبة لسمعة الصين.

وخلف هذه التطورات هناك اليابان، فقربها من كوريا الشمالية يجعل التهديد أكثر بروزاً من أي وقت مضى بالنسبة لجيران الباسفيك سكان كاليفورنيا، لكن ذلك لم يثر تحدياً عاماً من خلال اللامباراة التي تبديها سيئول في بعض الأحيان، فالمواقف تبدو أكثر انفتاحاً في اليابان، وصفارات الإنذار التي دوت فيها هي خير دليل.

والموقف العام في اليابان هو مناهض للنووي بشدة، لذا تبقى طوكيو بعيدة عن السعي لاكتساب قدرات نووية رداً على ذلك. وفي حين أن أنشطة كوريا الشمالية مرتبطة بقوة بصفقة كبرى قد تعقد بين إدارة ترامب وبكين، فإن التهديدات الأمنية تجاه اليابان لها تأثيرات أوسع تغذي العلاقات الخلافية والمثيرة للجدل أصلاً بين بكين وطوكيو،

وحيث إن رئيس الوزراء شينزو آبي يسعى لإجراء إصلاحات في الدستور السلمي الياباني، فإن زيادة انعدام الأمن يمكن أن تطلق يديه بقوة في إجراء هذه الإصلاحات.

وبالنسبة للرئيس ترامب، فإن مراجعة سياسته العامة ستستكمل قريباً ويوضح فيها خطورة الوضع مع كوريا الشمالية، فإذا كانت هناك حاجة لهذه الضغوط لكي يبدو أكثر تصلباً، فإن الدرس المستوعب بصورة قسرية هو أن الأمور ليست بهذه البساطة، ولن تبقى ساكنة وتتطلب وسيلة معقولة يبدو أن هناك افتقاراً لها في الوقت الحاضر.

 

 

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا