الارشيف / مقالات

مملكة القلوب

البيوت السعيدة- كما يُؤْثَر في الأمثال- لا صوت لها، وكذلك الأمم العظيمة لا تحتاج للصراخ والاستعراض الأجوف لكي تُثبت مكانتها، فإنجازاتها تتحدث عنها بأبلغ طريقة وإنما يعلو صوت ضُعفاء الحيلة وصغار القوم، وحدهم العظماء من تصح بهم مقولة قبائل الأباتشي: «من الأفضل أن يكون لديك قليل من الرعد في فمك والكثير من البرق في يديك».

منذ سنين طويلة للغاية والمملكة العربية السعودية تستقبل كل سنةٍ حُجاجاً من كل بقاع الدنيا وبأعداد تفوق سُكان دول كاملة، وعندما كانت عدوة العرب الكبرى طيلة تاريخها «إيران» تسعى في كل موسم حج إلى إثارة القلاقل وإحداث الفوضى، والتي وصلت إلى حد التفجيرات الآثمة من أجل سعيها لتدويل الحرمين، كانت المملكة تعمل المستحيل لحماية ضيوف الرحمن وتسهيل أدائهم للمشاعر المقدسة.

وهو الأمر الذي أجادت فيه بشكل لا يمكن تجاهله فضلاً عن التفوّق عليه، وكم كان مضحكاً أن تقوم دولة لا تستطيع تنظيم مباراة كرة قدم دون حوادث على أرضها لتحاول التشغيب على دولة تنظم أكبر تظاهرة في تاريخ البشرية كل عام بكل سلاسة وأمان.

هذا العام بلغ عدد الحجاج مليوني حاج، من أوروبا وحدها 200 ألف من 28 دولة، ولأجل خدمة الحجيج وظّفت مملكة الخير 21 ألف شخص لتصعيدهم، وأكثر من 300 ألف عسكري ومدني ومتطوع للاهتمام بهم ومساعدتهم والحفاظ على سلامتهم وراحتهم.

بينما حج أكثر من 400 شخص ضمن قافلة العاهل السعودي الطبية ونقل قطار المشاعر المقدسة قرابة 365 ألف حاج، وحيثما انتقلت العين وجدت ما يسرّها من تأدية أدوار بطريقة استثنائية لشباب المملكة وتفانيهم في خدمة ضيوف الرحمن، ولم يعد غريباً أن ترى جندياً يحمل شيخاً مسناً، وآخر يرش المياه الباردة على الجموع المارّة.

وآخر يقدم الطعام للأطفال أو تومئ يده بما يمكنه أن يخفف به حرارة الجو على الحجاج، مناظر لا يمكن أن تراها في أي مكان في الدنيا لكنك ستراها في مملكة الخير وأهلها الكرام، جزاهم الله عنا وعن حجاج بيته خير الجزاء.

ما استجد هذا العام أن الشيطان الإيراني الأكبر وجد له «شيطوناً» صغيراً ينعق بمثل نعيقه في محاولاته لتسييس الحج، فبعد تهور الحكومة القطرية ومطالبتها بتدويل الحرمين، والتي تراجعوا فوراً عنها بعد أن صرح عادل الجبير أن هذا يمثل إعلان حرب، لجأوا لمحاولات التسييس وتباكوا على منع حجاجهم من أداء المشاعر، الأمر الذي نقض كذبه ترحيب خادم الحرمين بحجاج قطر وأمره بتسهيل كل أمورهم.

وهو ما رأيناه من خلال فيديوهات صورها حجاج قطر الكرام أنفسهم كونها شكراً لمملكة الخير، وعندما صرح الأمير خالد الفيصل بأن حجاج قطر بلغوا هذا العام 1564 مقارنة بعدد 1210 الموسم الفائت جُنّ جنون إعلام التلفيق والكذب.

فخرجت صحفهم لتؤكد أنه لا يوجد أي حاج من قطر، ورغم اللقاءات المتلفزة للكثير من حجاجهم وبأسمائهم في المنافذ والمشاعر المقدسة إلا أن إعلام الدجل يصر أن أولئك «ليسوا بقطريين»، المهم أن يستمروا في الكذب دون حياء!

العجيب أن هؤلاء يظنون الناس لا يقرأون وإن قرأوا لا يفهمون، فقد رأى الكثيرون تهديد الحكومة القطرية للحجاج القطريين الذين أدلوا بتصريحات شكروا فيها المملكة على تسهيل أمور حجهم بأنهم سيكونون على «قوائم الترقب» حال عودتهم.

بينما تم سجن البعض والذين كان منهم عزام المري لمجرد أنه غرد بشكر الملك سلمان على اهتمامه بحجاج قطر وبأنه قد تجهز للتوجه للديار المقدسة، لكن «أتقياء» حكومة الحمدين جعلوه يتجه لتأدية مناسكهم في المعتقل دون أن يسمح له بالتواصل مع أهله، طبعاً لم يكن غريباً أن مذيعي قناة الجزيرة وأتباعهم من ثرثاري تويتر أخذوا وضعية الميت!

لا نستغرب من محاولات حكومة قطر وسعار إعلامها لتسييس الحج، فهم قد قبلوا أن يسيروا في ركاب طهران، والتي منذ أتى الخميني في نهاية السبعينات من القرن الماضي وهي تسعى جاهدة لتدويل منطقة الحجاز لكي تعبث بها كما تشاء، وقامت من أجل ذلك بارتكاب جرائم عديدة لإرهاب الحجاج ومحاولة إحراج الحكومة السعودية.

لذا فإن قطر تقوم بطاعة أوامر السيّد و«المعزّب» الفارسي فلا غرابة في ما تفعل وما تثرثر به ليل نهار، لكن فاتها أن محاولات سيدتها إيران لم تفلح فكيف لها هي أن تخلق فارقاً؟ لو عرفت كل دولة حجمها لما وجدنا مثل هذه المضحكات المبكيات في منطقتنا، التي تعبت من مؤامرات الخونة وتربص الأعداء.

الباحثون عن «الشرهات» وإعلاميو الريال المدفوع مستعدون لتقمص أي دور والدفاع عن أي موقف مهما كان فاجراً ومرذولاً، ويظنون أن بمقدورهم إتقانهم لعبة المصطلحات واستخدام لغة المظلومية وحشو ثنايا الكلام المغلوط بآياتٍ كريمة في غير محلها.

واستقطاع أحاديث شريفة لتخدم رغماً عنها ما يقولون، يظنون ذلك كافياً لخلق بلبلة في الوعي العربي إن لم يستطع خلق موقف مؤيد لما يريدون، ما زالوا يرون أنفسهم أذكى الجميع، وأن بإمكانهم «تدجين» ما يشاءون من جماهير العرب وسحبهم خلفهم كالقطيع.

لكنهم لم يستوعبوا نّ المملكة أكبر بكثير مما يظنون، وأن مكانتها لا يعكسها فقط وزنها السياسي الكبير، وقدراتها العسكرية الفائقة ودورها المحوري في اقتصاد النفط، ولكن تعكسها فعلاً مكانتها الروحية التي لا يمكن محاكاتها أبداً.

فهي مهبط الوحي والأرض التي اختارها الله تعالى ليختم بها رسالاته، ويبعث بها خير أنبيائه، من عاداها سقط من قلوب المسلمين ومن ساق عليها الأكاذيب لن تغسل خطاياه كل أعذار الدنيا، هي ببساطة مملكة القلوب يا صعاليك الدروب، فافهموا واعرفوا حجمكم!

 

 

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا