مقالات

قراءة وثائقية في علاقات قطر مع الجوار الإقليمي

تطورات أزمة قطر مع جوارها الإقليمي ومواقفها المتشددة جعلنا نرجع إلى الوثائق التاريخية للاطلاع على تاريخ العلاقات القطرية مع جيرانها لفهم أعمق للأمور، ولكي نكون قادرين على تحليل مآلات تلك الأزمة.

فحين تشكل مجلس التعاون وانضمت قطر إلى عضويته، إنما تم ذلك بناء على تلك الروابط القوية التي تربط شعوب الخليج واستعداد دول الخليج جميعا للتعاون بشأن حل الخلافات الخليجية بشكل داخلي ودون تدخل أطراف خارجية. ولكن الأزمة الراهنة مع قطر تصاعدت بشكل غير مسبوق الأمر الذي عرض المنطقة للخطر.

ولم تكن الروابط التي تربط قطر بدول الخليج روابط الدم والنسب والقرابة فقط، ولكن تربط شعوب الخليج روابط كثيرة مشتركة أهمها وحدة المصير والأمن القومي الخليجي والذي هو دافع مشترك للجميع أثبتها التاريخ والجغرافيا.

منذ القرن التاسع عشر كان هناك نوع من النزعة الانفصالية لدى قطر خاصة وأن الأحداث فيها كانت مرتبطة بالأحداث في البحرين والإحساء وأبوظبي. فالقبائل التي سكنت قطر في تلك الفترة كانت تدين بالولاء للقبائل الكبيرة التي سكنت دول الخليج الأخرى أو كانت أحد بطونها. وطبقا لقانون القبائل فإن سلطة شيخ القبيلة تمتد على كافة بطون قبيلته حتى ولو قطنت مناطق بعيدة عنها.

خلال القرن التاسع عشر شهدت منطقة الخليج كلها هجرات عديدة نتيجة للحراك السياسي الناتج عن الأطماع البريطانية -التركية، وتمدد تلك الأطماع نحو قطر وشبه الجزيرة العربية. وكان لهذا الأمر نتائج سياسية وخيمة على المنطقة بأسرها.

فلقد أحدث التدخل الأجنبي نوعا من الخلخلة في المنطقة دفع قبائل قطر للمطالبة بالاستقلال. وفي حوالي 1868 استطاع أحد زعماء قطر من آل تميم جمع القبائل القطرية وأعلن استقلاله عن البحرين واعترفت به بريطانيا حاكماً مستقلاً.

لم يرض ذلك الاستقلال الأتراك خاصة بعد الحملة التركية على شبه الجزيرة والقادمة من العراق في عام 1871 ووصول النفوذ التركي إلى قطر. وهكذا قدر لقطر لمدة أربعين سنة أن تقيم توازنا سياسيا بينها وبين الأتراك من ناحية وبين الإنجليز من ناحية أخرى. هذا التوازن الذي أقامته قطر انعكس على دول الخليج المجاورة.

فقد أصبحت قطر قاعدة للمتمردين الهاربين من سلطة دولهم. كما أصبحت قطر أداة طيعة في يد الأتراك والإنجليز الذين كانت لهم أطماع متنامية في المنطقة الأمر الذي أدخل جيران قطر في مناوشات سياسية أثرت على السلام والأمن في الخليج.

وظلت الأمور مترجرجة حتى مطلع القرن العشرين. ففي العام 1913 توصلت بريطانيا والدولة العثمانية إلى اتفاقية تنازلت فيها تركيا عن كل مطالبها في قطر وفرض الإنجليز سيطرتهم التامة على قطر في إطار الاتفاقيات السياسية التي تم عقدها بين قطر والإنجليز من ناحية وبين الانجليز وجيران قطر من ناحية أخرى. والاتفاقية التي عقدتها قطر مع الإنجليز جعلها تدور في فلك السيادة البريطانية.

وفي فترة الثلاثينيات، ومع ظهور البترول في قطر بدأت الشركات الأجنبية تنهال بعروضها على دول الخليج وقطر بالتحديد. وفيما يتعلق بعلاقات قطر مع منطقة الإمارات فقد ظلت العلاقات القطرية -الإماراتية هادئة حتى فترة الستينيات عندما بدأت مفاوضات الاتحاد التساعي ودعيت قطر للانضمام إلى الاتحاد التساعي.

ولكن مفاوضات الوحدة لم تنجح مع قطر. ومن الواضح أن الإمارات لم تسعَ لفرض الاتحاد على أحد، فعلى النقيض أراد لها زايد الخير أن تكون عضوا فعالا في الاتحاد التساعي الذي حلم به. وعلى الرغم من ذلك احترم زايد إرادة قطر الداخلية وتعامل معها كشقيق وجار.

إن ما يحدث الآن من أزمة في العلاقات مردها أن تنقشع. فالوضع الذي خلقته قطر أصبح صعبا على الجميع. وربما يكون أهل قطر هم أكثر المتضررين من مواقف دولتهم السياسية. فليس من مصلحة أحد أن تظل الأزمة دون حل، ونظل نأمل في أن تكون سحابة صيف سرعان ما تنقشع، فليس أصعب من غمامة الصيف تلك التي تستمر وتحمل معها وخم الصيف وركود هوائه.

إن قوة الخليج في تكاتفه ووحدة أعضائه فهو الحضن الدافئ الذي يضم الجميع. فالله تعالى في كتابه دعانا إلى التمسك بحبل الله جميعا وألا تتفرق كلمتنا. فالفرقة متى تمت تدخل الغريب لكي يحصد المكاسب ويجني ثمار فرقتنا.

 

 

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا