الارشيف / مقالات

المشهد على الجبهة السورية اللبنانية

تتمترس القوات السورية اليوم على الجانب اللبناني من الحدود على الخط الفاصل بين البلدتين الشاهدتين على تدمير داعش «في جبال القلمون، حيث الجثث تتعفن في مكانها». ويستعد في هذه الأثناء حزب الله، الذي يقاتل في الداخل السوري للمعركة الأخيرة ضد المحاصرين على أعلى إحدى القمم الشمالية. ومن أعالي جبل القارة على ارتفاع سبعة آلاف قدم عن الحدود اللبنانية السورية، يمكن رؤية معسكرين للجيش السوري على أعالي قمتي جبلين لبنانيين.

ويقول الجنرال السوري مدين آباد الحقيقة بلا تردد: "نعم، يوجد نقطتان لجنودنا في الداخل اللبناني، فوق الطريق الحدودية التي استخدمها «داعش» لدخول بلدة عرسال اللبنانية. كما يتمركز جنودنا في الشرقية وفاليلال، وبالإمكان رؤية مخيماتهم. وبالطبع على طول الوادي الممتد الذي يفصلنا عن لبنان، يمكن رؤية خط المخيمات العسكرية فوق سفوح جبال لبنان". ويؤكد الجنرال أنه يتواصل مع الجيش اللبناني الذي يدكّ مواقع لداعش بقذائف يسمع صوتها عبر الوديان.

ويعتبر التنقل على السفوح الشاهقة للجبال عقب المعركة التي انتهت قبل بضعة أيام، تجربة شاقة. فرائحة الجثث التي لم تدفن بعد تملأ المكان، وهواء الجبال يصفر عبر متاريس أكياس الرمال على امتداد السدود والخنادق العميقة القاتمة التي بناها التنظيم، على أمل التصدي عبر شبكة الأنفاق للضربات الجوية السورية، في دلائل تظهر كلها مدى ضراوة المعركة. وعلى الرغم من أنه لم يبقَ أي من عناصر داعش على قيد الحياة ليروي ما حدث، وتطالعنا أفلام الفيديو التي صورها المنتصرون في القتال، أحد الجنود يودع مقاتلاً سقط على أرض المعركة بنيران الجهة المعادية.

وعلى متن إحدى الحافلات، يفتح جندي سوري حقيبة كاكية اللون، تضم ثلاث جثث، على أمل التعرف إلى أصحابها، لكن الأمر صعب، نظراً لانتفاخ الجثث، بفعل الحرارة المرتفعة. وعلى مسافة قريبة، يقف جنود سوريون يراقبون بين مشمئز وغير متأثر بالمنظر. وقد نفّذ الجنود ضمن معركة مشتركة، الهجمات ضد "داعش"، بقيادة مركز عمليات من داخل إحدى الفلل في الفليطة، قائلين إنه لم يقع ضمن صفوفهم، إلا بضعة جرحى فقط.

ويضيف آباد البالغ من العمر 48 عاماً فقط: "لقد حارب الجيش السوري لاستعادة الجبال مع قوات دفاع وطنية، تعمل بصورة مؤقتة، إلا أن القوات الخاصة في الجيش السوري، هي من نفذت العملية بالفعل"، وتنتشر الأسلحة السورية والمدفعية المضادة للطائرات على امتداد مساحة الجبال، إضافة إلى العتاد الروسي الصنع.

ويرى آباد أن الجبل، حيث يتمترس، يثبت أنه نقطة مراقبة مثالية لمراقبة الاعتداء المرتقب على آخر معاقل التنظيم، إذ يرتفع جبل القارة 7,020 قدماً عن سطح البحر، في حين أن التحصينات الإسمنتية الإسرائيلية على جبل حرمون، بالكاد تزيد على ألفي قدم ارتفاعاً. ويوافق آباد على أن السوريين لن يتخلّوا مطلقاً عن جبل القارة، التي تقع بالطبع داخل سوريا، بعد أن تمركزوا على القمة.

وإلى الجانب الجنوبي الغربي، يمكن رؤية بلدة عرسال اللبنانية التي خضعت لفترة وجيزة لاحتلال "داعش" والنصرة. وتعرّض بعض جنود الجيش اللبناني من المدافعين عنها لقطع أعناقهم، في حين لا يزال آخرون، تسعة على الأقل، محتجزين كرهائن في مكان ما من منطقة الجرود، على الجانب اللبناني على الأرجح.

ويواجه التنظيم اليوم حالةً من الهزيمة التامة في القلمون، في مشهد يأمل الجيشان اللبناني والسوري حسمه نهائياً. ويراقب الدبلوماسيون الغربيون مشهد المعركة الأخيرة من الجانب اللبناني، دون أن يتمكنوا طبعاً من الدخول إلى سوريا، وهم لم يدركوا، كما يبدو، وجود القوات السورية داخل الأراضي اللبنانية، وإن كانت المسافة لم تتجاوز بضع مئات الأمتار.

الشاهد الغربي الوحيد على صراع الجرود من الجهة السورية، كانت صحيفة "الإندبندنت"، والجنرال مدين آباد، الذي أعطى وصفاً تكتيكياً للمشهد. فإلى الجنوب، في محيط بلدات الزبداني وبلودان ومضايا، يوجد وقف إطلاق نار بين السوريين من جهة والنصرة وحلفائها من جهة أخرى، علماً بأن محادثات "التسوية" قد تعيد البلدات المخطوفة إلى السيطرة السورية مجدداً. وإذا تحقق الفوز في الضربات على "داعش" من جبل القارة، فإن الحدود اللبنانية السورية بالكامل، ستخلو من المتطرفين الذين فرّوا بغالبيتهم، تفادياً لاعتقالهم في سوريا، واستخدموا الأراضي اللبنانية كممرّ تزويد عسكري، لا سيما من عرسال إلى سوريا.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا