الارشيف / منوعات

رحلة إلى لهيب عطارد قد تقرِّبنا من العثور على حياة خارج الأرض

عالم - وكالات إنها قد تكون الرحلة الأكثر تعقيداً في التاريخ، إنها تبدو أقل خطورة قليلاً من رحلة لقلب الشمس، إنها رحلة للكوكب الأقرب للشمس "عطارد"، الذي تبلغ درجة حرارة سطحه 430 درجة مئوية.

يعتبر عطارد من أكثر الأماكن غير المضيافة في نظامنا الشمسي، فهو بمثابة عالم صغير يتعرض للإشعاع الشديد وحرارة لا تصدق، حتى الزنك يذوب على سطحه. ولكن هذا الكوكب المشتعل قد يلعب دوراً حاسماً في أحد أهم المهام العلمية: البحث عن حياة على كواكب أخرى في مجرتنا، حسب تقرير لصحيفة الغارديان البريطانية.

وكشفت وكالة الفضاء الأوروبية، عن المركبة الفضائية التي تسمى "بيبي كولومبو" التي ستقوم بإرسال مسبار إلى كوكب عطارد، وستستغرق رحلة المركبة سبع سنوات للوصول إلى وجهتها، وإذا نجحت البعثة، فقد تُقدم صورة أفضل لكيفية وجود نظامنا الشمسي، وفقاً لما ورد في تقرير لـ"بي بي سي".

ويعتقد علماء الفلك، أن قرب عطارد من الشمس يمكنه أن يوفر لهم معلومات مهمة حول آفاق العثور على كواكب يمكنها أن تحوي كائنات حية.

ويأملون أن يتم الكشف عن هذه المعلومات بواسطة بيبي كولومبو، وهو مسبار أوروبي ياباني، تم الكشف عنه للجمهور الأسبوع الماضي في مركز الأبحاث والتكنولوجيا التابع لوكالة الفضاء الأوروبية في نوردفيك- هولندا.

وتعد المركبة الفضائية التي يبلغ طولها 7 أمتار، ووزنها 4 أطنان واحدة من أكثر البعثات الفضائية تعقيداً في التاريخ، وكذلك واحدة من أكثرها تكلفة، فكلفة إنشائها تقدر بـ1.6 مليار يورو (1.4 مليار جنيه إسترليني)، ومن المقرر إطلاقها في أكتوبر/تشرين الأول 2018، حيث ستبدأ رحلةً لمدة سبع سنوات للوصول إلى وجهتها، حيث تبدأ في دراسة هذا العالم الغامض.


لماذا هذه الرحلة المكلفة؟

وأكد مارك ماكوريان، كبير مستشاري العلوم والاستكشاف في وكالة الفضاء الأوروبية أهمية هذه المهمة. وقال: "لقد اكتشفنا كواكب -تعرف باسم الكواكب خارج المجموعة الشمسية- وهي تقع فى مدارات حول نجوم أخرى فى مجرتنا، وقد وجدنا أن بعضها يقع فى مناطق قد تكون صالحة للحياة، ونعتقد أنها ليست باردة ولا ساخنة أكثر من اللازم. ومع ذلك، فإن معظم هذه الكواكب الواعدة الموجودة خارج المجموعة الشمسية تقع في مدارات تقربها من نجوم شديدة البرودة. من حيث الحرارة، يمكن أن تقترب من نجم بارد بأمان، ولكن قد تكون هناك مخاطر أخرى كامنة هناك. لهذا السبب يعتبر عطارد هاماً جداً، فهو أقرب إلى الشمس من أي كوكب آخر في النظام الشمسي. وربما يعلمنا دروساً مهمة للغاية".

ويقول علماء الفلك إن قرب عطارد من الشمس مسألة أساسية. فمداره يبعد، في المتوسط، نحو 57 مليون كيلومتر عن الشمس، أما الأرض فتبعد عن الشمس بـ149.6 مليون كيلومتر. وليس بوسع علماء الفلك التأكد من إمكانية قيام الحياة على الكواكب شديدة القرب من النجوم، حتى يتمكنوا من فهم الظروف التي تؤثر على هذه الكواكب. خاصة أشكال الإشعاع الأخرى التي ربما تمثل مشكلة لهذه الكواكب- مثل الإشعاع فوق البنفسجي.

هذه النقطة التي أوضحها ج. موراكامي، من وكالة الفضاء اليابانية جاكسا، التي تعاونت مع مهندسي الفضاء الأوروبيين في بناء بيبي كولومبو. يقول موراكامي "قد يكون الإشعاع فوق البنفسجي أقوى بكثير في هذه العوالم، ونحن بحاجة لدراسة كوكب في مثل هذه الظروف، وهو ما ينطبق على عطارد تماماً".

وقال ماكوريان إن النقطة الحاسمة هي أن العلماء لا يستطيعون التأكد من مدى قابلية الكواكب الموجودة خارج المجموعة الشمسية للسكنى، حتى يطلعوا على الظروف البيئية على كوكب يدور بالقرب من نجم. ومن هنا تأتي أهمية عطارد لأنه يدور بقرب الشمس. ومع ذلك، فإن ذلك العالم الصغير يقدم أهدافاً مهمة أخرى لدراسة العلوم.

سر آخر يأمل الفلكيون حلَّه هو لغز المجال المغناطيسي لعطارد. فهذا هو الكوكب الوحيد في نظامنا الشمسي، غير الأرض، الذي يمتلك مجالاً مغناطيسياً، على الرغم من أنه أضعف بنحو 100 مرة من مجالنا. ومع ذلك، اكتشفت الدراسات التي أجراها المسبار الأميركي "مسنجر" -الذي دار حول عطارد بين عامي 2011 و2015- أن مركز هذا الحقل المغناطيسي يبعد عن مركز الكوكب بنحو 500 كيلومتر، وهو مقدار مذهل بالنسبة لكوكب صغير.

وقال ماكوريان "في الواقع، معظم النظريات حول تشكيل نظامنا الشمسي تشير إلى أن كوكباً صغيراً مثل عطارد لا ينبغي أن يكون له مجال مغناطيسي على الإطلاق، لذلك نحن نواجه لغزاً حقيقياً. لا يمكننا أن ندَّعي أننا نفهم كيف تشكَّل نظامنا الشمسي إن كنا لا نستطيع أن نفسر لماذا يشذ عطارد عن القاعدة. لدينا قضايا نظرية حقيقية يجب أن نبحث لها عن حل، ونأمل أن يساعدنا بيبي كولومبو أن نفعل ذلك".

سر الماء

وسوف يذهب بيبي كولومبو إلى مناطق في العروض العليا للكوكب، حيث وجد سلفه مسنجر دليلاً على وجود جليد الماء داخل جدران الحفر. وجود الماء هو لغز آخر من الألغاز التي كشفها علماء الفلك على هذا الكوكب الصغير.

تصميم وبناء مركبة يمكنها تحقيق هذه الأهداف لم يكن سهلاً. بيبي كولومبو -الذي سمي على اسم عالم الرياضيات الإيطالي المهندس جيوسيبي كولومبو من القرن العشرين- هو في الواقع مركبة فضائية مزدوجة: مركبة مدارية كوكبية أوروبية تدرس الكوكب، ومركبة يابانية تدرس المجال المغناطيسي للكوكب. وسيتم نقل كلتيهما إلى وجهتهما من قِبل وحدة الدفع المعروفة باسم وحدة نقل عطارد.

وقد وافقت وكالة الفضاء الأوروبية على البعثة في عام 2000 بالتعاون مع وكالة الفضاء اليابانية. ومع ذلك، فإن تعقيدات تسيير مسبار بالقرب من الشمس أجبرت على تأخير التصميم، مما رفع التكاليف من عدة مئات من ملايين اليورو إلى ما يقدر بحوالي 1.6 مليار يورو.

كما تسببت في سنوات من التأخير في بناء القمر الصناعي. في الواقع أوشك المشروع على الإغلاق عندما حثّت عدة دول أعضاء، بما في ذلك بريطانيا، على عدم توفير أموال إضافية بعد أن تجاوزت التكاليف عدة مئات من ملايين اليورو. واستغرق الأمر أسابيع من المفاوضات المعقدة لإنقاذ المشروع.

430 درجة مئوية

وكانت المشكلة الرئيسية التي تواجه بيبي كولومبو هي أن المركبة المدارية الرئيسية للبعثة يجب أن تطير بحيث تحوم فوق سطح عطارد الحارق، بينما تسطع أشعة الشمس عليه. يقول ماورو باترونسيني، من شركة تاليس ألينيا سبيس إيطاليا، التي بنت جزءاً من المسبار: "إن مستوى الإشعاع الشمسي على عطارد يبلغ 10 أضعاف مستوى الإشعاع الشمسي على الأرض، لأن الكوكب قريب جداً من الشمس. في الوقت نفسه، سطح عطارد شديد الحرارة -حوالي 430 مئوية- ولذا فهو يولِّد تدفقاً هائلاً من الأشعة تحت الحمراء والحرارة بنفسه". هذا يعني أن القمر الصناعي سوف يُشوى على كلا الجانبين: الشمس من جهة وعطارد من الجهة الأخرى.

وأضاف باترونسيني: "اعتقدنا أننا يمكن أن نتعامل مع ذلك بالتقنيات التقليدية عندما كنا نصمم المركبة، ولكن أدركنا في عام 2006 أنه يجب علينا تطوير تقنيات جديدة، بما في ذلك الطلاء المقاوم للحرارة والأدوات المعزولة، لمنع زيادة حرارة المركبة بصورة كبيرة. هذا هو ما تسبب في التأخير وزيادة التكلفة".

واعترف مدير المشروع في وكالة الفضاء الأوروبية أولريش راينهاوس بمخاطر ارتفاع درجة الحرارة، كما شدد أيضاً على المشاكل التي تنتظر البعثة. فقال "نحن ذاهبون إلى فرن بيتزا. كان علينا أن نختبر المواد في أنظمة مختلفة، ودرجة حرارة عالية جداً، وأحياناً كانت النتائج غير مرغوب فيها". وبالتالي تأخر الإطلاق.

إن بناء مركبة قادرة على تحمل هذه الظروف الجحيمية يعتبر عملاً شاقاً. وأضاف ماكوريان أنه كان هناك الكثير من الإحباط بسبب التأخير، وتم بذل قدر كبير من الجهد في إعادة تصميم مركبة دفعت المهندسين إلى الحد الأقصى لقدراتهم. ثم جاء سباق التنفيذ بعد كل هذا التأخير.

وقال إن بيبي كولومبو "لديها صفائح من المواد العازلة الصلبة التي كان لا بد من زرعها باليد في مكانها، في درع الشمس وأجزاء أخرى. ذهب زميلنا إلى منطقة تجميع المسبار ذات يوم فوجد دماء متناثرة بجانبه. لقد جرح عضو آخر من الفريق نفسه بإبرة أثناء الليل وهو يحيك البطانات الحرارية. لذلك يمكن القول ببساطة إن الدم والعرق والدموع أريقت من أجل تنفيذ هذه المهمة والاستعداد لإطلاق المسبار".

لماذا تعمَّد العلماء اللجوء للطريق الأطول؟

بيبي كولومبو هو مسبار مكون من أجزاء كثيرة: مظلة ضخمة، مركبة مدارية كوكبية، مركبة ثانية تدرس المجال المغناطيسي للكوكب، ومركبة نقل من شأنها أن تحمل هذه المكونات المختلفة لعطارد بعد إطلاق البعثة من على متن صاروخ آريان 5 من كورو في غيانا الفرنسية، في أكتوبر/تشرين الأول 2018.

وستزن المركبة أكثر من 4 أطنان، بما في ذلك 1.4 طن من الوقود الدفعي الذي سيتم استخدامه لتشغيلها في رحلة معقدة حول النظام الشمسي في طريقها إلى عطارد. وستستغرق الرحلة سبع سنوات، وستشمل القيام برحلة واحدة من الأرض، واثنتين من الزهرة وستٍّ من عطارد من أجل أن تصل المركبة إلى وجهتها في عام 2025 بطريقة تجعلها تدور حول الكوكب.

وقال مارك ماكوريان كبير المستشارين العلميين لوكالة الفضاء الأوروبية: "نستطيع أن نطلق بيبي كولومبو مباشرة إلى عطارد، وسوف نصل إلى هناك في غضون بضعة أشهر، ولكن سيتوجب علينا استخدام كل وقودنا في إبطاء سرعة المركبة، لكي تصل إلى الكوكب بسرعة معقولة (يزيد استهلاك المركبات للوقود حين يتم خفض السرعة خلال وقت قصير). هذا هو السبب وراء اتخاذنا الطريق البطيء بدلاً من ذلك".

بمجرد دخولها في مدار عطارد، ستُطلق مركبة النقل مركبتيها المداريتين. ستقوم المركبة الأوروبية بدراسة سطح عطارد، في حين تحوم المركبة اليابانية حول الكوكب لدراسة مجاله المغناطيسي.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا